أشار بعض التحليلات والتقارير المتخصصة، إلى أن البنوك المركزية والاحتياطي الفيدرالي - على وجه الخصوص - أصبحت أقل تشدداً في سياساتها المالية والاقتصادية. وكمفاجأة للعديد من الأوساط، سجلت مؤشرات «إس آند بي 500» و«داو جونز الصناعي» معدلات تداول استثنائية، يوم الأربعاء الماضي، وهي معدلات التداول التي ارتدّت من مستويات الانخفاض التاريخية في فبراير/شباط الماضي، ما يجعل هذه البورصات على بعد 2% فقط من مستوياتها التاريخية التي حققتها سابقاً.
عزا خبراء اقتصاديون أسباب هذا الارتداد الإيجابي، إلى خمسة عوامل كان لها الأثر البالغ في هذا التحول، أولها الاستقرار الذي شهدته أسعار النفط العالمية، وذلك بسبب أن ارتباط الأسهم وأسعار النفط العالمية ببعضهما كان كبيراً جداً بأن بلغ 86%، ما يعني أنهما يتحركان معاً في كافة الاتجاهات، سواء كانت صعودية أم هبوطية. وإضافة إلى ذلك فإن العديد من المستثمرين والمتداولين دائماً ما يعتبرون أسعار النفط العالمية مقياساً لأداء الأسواق العالمية، أو دلالة على استقرار أو تقلب الأداء الاقتصادي على مستوى العالم.
وفي ظل الهبوط الكبير الذي عانته أسعار النفط العام الماضي، فقد حذت أسواق الأسهم حذوها في أداء هو الأسوأ منذ فترة، وهو ما نتج عنه زيادة القلق المرتبط باحتمالية أن يضرب الكساد أروقة الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي انعكس على الهبوط التلازمي الذي صاحب القطاعين طوال العام الماضي.
لا تقلبات في الأسواق
تمثل السبب الثاني، وفقاً للخبراء، في أن الاقتصاد العالمي من المتوقع ألا يشهد تقلبات كبيرة على المدى القصير، ففي العام الماضي كان أداء الاقتصاد الأمريكي ضعيفاً، خلال الربع الأول، بسبب انخفاض أسعار منتجات قطاع الطاقة وقوة الدولار الأمريكي، ولكنه استعاد بعضاً من الانتعاش في النصف الثاني بمعدلات أفضل على الأقل من باقي الدول ذات الاقتصادات المتقدمة. وفي غضون ذلك شهدت معدلات الاستهلاك والإنفاق ارتفاعاً ملحوظاً، خصوصاً في قطاعي السيارات ومبيعات المنازل، ربما يبلغ مستويات تاريخية قريباً.
وفي ظل التراخي الذي يلازم أداء كبرى الاقتصادات العالمية، فإن الصين استطاعت امتصاص قلق المستثمرين؛ بأن أعلنت عن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي فيها للربع الأول بـ6.7 %. وبالطبع فإن اقتصاد الصين مصحوب بديون كبيرة تثقل كاهلها، وتعيقها عن تحقيق العديد من أهدافها الاقتصادية على المدى القصير، إلا أن ذلك يعتمد على الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة الصينية مع الوضع، بيد أنها وبتلك النتائج التي أعلنتها، امتصت الكثير من مخاوف المستثمرين والمتداولين في أسواق الأسهم.
واعتبر الخبراء الاقتصاديون تراجع قوة الدولار الأمريكي عما كان عليه العام الماضي، من بين الأسباب التي ستؤدي إلى استعادة أسواق الأسهم العالمية انتعاشها، الذي ربما يصل إلى مستويات تاريخية، حيث شهد مؤشر الدولار الذي يقيسه مقابل العملات الأخرى تراجعاً ملحوظاً، يوم الأربعاء الماضي، من المستوى القياسي الذي بلغه خلال 10 أعوام. وقال محللون، إن هذا التراجع سيكون له أثر إيجابي في تخفيض الضغوط على الشركات العالمية داخل الولايات المتحدة، التي تآكلت عائداتها بسبب القوة التي صاحبت الدولار.
التيسير الكمي
عمليات التيسير الكمي، وشراء السندات التي قامت بها البنوك المركزية الأجنبية في خلال الفترة القصيرة الماضية؛ حيث وسع البنك المركزي الأوروبي الشهر الماضي من برنامجه لشراء السندات، في عملية تيسير كمي بلغت 80 مليار يورو. وأشار ماريو دراغي، رئيس البنك، إلى أنهم ليسوا في حاجة إلى إجراء تخفيض أكثر على أسعار الفائدة، وهو التلميح الذي ربما يتراجع عنه مستقبلاً، بالنظر إلى أكبر ارتفاع لليورو خلال ستة أشهر. إضافة إلى أن البنك المركزي الياباني، الذي يحاول التخلص من الانكماش الذي يسيطر على مفاصل الاقتصاد منذ نحو عقدين من الزمن، أعلن سابقاً عن برامج واسعة للتيسير الكمي، والذي دفع بأسعار الفائدة إلى النطاق السلبي.
وأشار خبراء آخرون، إلى أن أولى الأسباب التي ستؤدي إلى استعادة أسواق الأسهم العالمية انتعاشها، هي سياسة الاحتياطي الفيدرالي، التي أدت إلى تحقيق مكاسب بلغت 93% لأسواق الأسهم، وذلك بعد أن شهدت أسواق الأسهم العالمية، العام الماضي، موجة هبوط وتقلبات في ظل الأنباء التي تواترت عن اعتزام الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة تدريجياً، حيث كان لاتخاذ ذلك القرار في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أثر استباقي في الأزمة التي عانتها الأسواق، إلا أن سياسة الاحتياطي التي تلت ذلك القرار كانت جيدة ومجدية، حسبما أشار الخبراء الاقتصاديون.