5.25.2016

عندما تتنافس الشركات الكبرى على التربح من أسواق المال

رانا فاروهار

واحدة من المفارقات الكبرى لشركات اليوم هو أن أغناها وأقواها في العالم هي الأكثر انخراطاً من أي وقت مضى في أسواق رأس المال في الوقت الذي هي في الواقع لا تحتاج إلى أي تمويل. فشركة«آبل»، التي لديها حوالي 200 مليار دولار مكدسة في البنوك، اقترضت مليارات الدولارات في السنوات القليلة الماضية لإعادة شراء أسهمها من أجل دعم سهمها الذي تراجع سعره في الآونة الأخيرة.
فلماذا تلجأ الشركات إلى الاقتراض؟ لأنه أرخص تكلفة من إعادة النقد إلى موطن الشركة ودفع الضرائب إلى السلطات الضريبية في الولايات المتحدة. وقد ساعدت الهندسة المالية للشركة في زيادة سعر سهمها لفترة من الوقت، ولكن الأمر لم يمنع المستثمر الناشط كارل ايكان - الذي يعد من أبرز مؤيدي الاقتراض وإعادة شراء الأسهم، من التخلص من أسهم آبل بمجرد الإعلان عن تراجع النمو في عائداتها، واتجاه أسهم الشركة نحو التراجع أواخر شهر إبريل/نيسان.
وشركة «آبل» ليست وحدها التي تتولى اعتماد الهندسة الحقيقية لهذا النموذج المالي. ولم يسبق لشركات الدرجة الأولى الأمريكية أن تمتعت بموارد مالية أكبر مما تتمتع به حالياً. فلديها نحو تريليوني دولار نقداً في موازينها الختامية أو ما يكفي نحو مجمع ليضعها في مرتبة عاشر أكبر اقتصاد في العالم، ومع ذلك فإنها راكمت كميات قياسية من الديون لإعادة شراء الأسهم الخاصة بها، وخلق فقاعة ديون الشركات التي تهدد بالانفجار عملياً.
ولا شك أن فقاعة إعادة شراء الأسهم هو جزء من توجه أكبر، وهو أن الشركات الأمريكية تتحول من قوى إنتاج فعلي إلى قوى جديدة في أسواق المال. وتكسب الشركات الأمريكية اليوم المزيد من المال بالقياس على أي وقت مضى وبسهولة عن طريق نقل الأموال في جميع أنحاء العالم، والحصول على نحو خمسة أضعاف الإيرادات من أنشطة مالية بحتة، مثل تداولات الأسهم والتحوط والتلاعب بالضرائب وبيع الخدمات المالية. ولا عجب أن تنتقل استثمارات الشركات من البحث والتطوير إلى إعادة شراء الأسهم في السنوات الأخيرة. فمن الأسهل لكبار المسؤولين التنفيذيين تجميد أنشطة شركاتهم لمدة ثلاث سنوات في محاولة لإرضاء المستثمرين من خلال رفع أسعار الأسهم على المدى القصير بدلاً من الاستثمار في المجالات التي تضمن نمو الشركات على المدى الطويل.
وتجدر الإشارة إلى أن الشركات الخاصة تستثمر ضعف ما تستثمره مثيلاتها في الملكية العامة في عمليات مثل توظيف التكنولوجيا الجديدة وتدريب العاملين وتطوير المصانع والبحث والتطوير، لأنها ببساطة ليست مضطرة للتعامل مع ضغوط السوق.
وفي الواقع نمت ظاهرة تكديس الأموال في الشركات جنباً إلى جنب مع صعود أسواق رأس المال والقطاع المالي نفسه، الذي تضاعف حجمه تقريباً كنسبة مئوية من الناتج الإجمالي المحلي على مدى السنوات الأربعين الماضية. ومثلما نمت مالية الشركات نما ربحها، لكنها لم تخلق سوى 4% من مجموع الوظائف الأمريكية رغم أنها تستحوذ على 25% من أرباح قطاع الشركات.
وليس من المستغرب أن تسعى الشركات غير المالية للحصول على حصتها من هذا السوق. فشركات الخطوط الجوية، على سبيل المثال، في الأغلب تحقق المزيد من المال من التحوط على أسعار النفط أكثر مما تحققه من بيع تذاكر السفر رغم أن التحوط يقوض أعمالهم الأساسية من خلال زيادة تقلب أسعار السلع. كما أن الرهانات السيئة قد تتركهم عرضة لخسائر بملايين الدولارات.
وكل هذه الممارسات لها أثارها السلبية في الاقتصاد الحقيقي، حيث تفتقر ثروته الأساسية من البحوث وعمليات التطوير للتمويل الضروري لاستمرار نشاطها في حين تدمر هندسة التمويل الجديدة القيمة الحقيقة للشركات على المدى البعيد.
وتفشي عمليات إعادة شراء الأسهم بالشكل الذي شهدناه في العامين الماضيين يتم في الشريحة الأهم من السوق التي تحرص على هندسة ربحيتها بطريقة مفبركة نتيجة شح أرباحها. ولا بد أن الشركات التي لا تحقق النمو الفعلي في الاستثمار والتوسع فإنها سوف تؤول إلى السقوط. والنتيجة المزيد من الركود الاقتصادي وبالتالي المزيد من المشاكل السياسية.