وتمر السعودية أكبر دول العالم تصديراً للنفط بفترة تكيف مطولة مع انخفاض أسعار النفط الذي تسبب في عجز يبلغ نحو 100 مليار دولار في ميزانية الدولة وأرغم الحكومة على إجراء تخفيضات في الإنتاج.
وعلى مدى عشرات السنين اعتمد كل وجه من أوجه الاقتصاد على تدفق أموال النفط، ومن ثم فالتقشف يعد خبراً سيئاً لأرباح الشركات السعودية.
وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت الحكومة مجموعة من التدابير التي لم يسبق أن اتخذت ما يماثلها في الصرامة وذلك في شكل تخفيضات في الدعم أدت لارتفاع الأسعار المحلية للبنزين والكهرباء والماء وكذلك الغاز الطبيعي المستخدم كمادة خام في صناعة البتروكيماويات.
وتبين أرباح الربع الأول التي أعلنتها الشركات السعودية المدرجة في البورصة خلال الأسابيع القليلة الماضية، أن الكثير منها استطاع تجنب حدوث انخفاض حاد في الأرباح.
وتوضح حسابات رويترز أن صافي الأرباح المجمعة لأكبر 50 شركة سعودية من حيث قيمة رأس المال - والتي تمثل النسبة الأكبر من كل أرباح شركات سوق الأسهم - انخفضت بنسبة 3 في المئة فقط عــــما كانت عليه قبل عام لتصل إلى 19.88 مليار ريال (5.4 مليار دولار).
وكان هذا أفضل كثيراً من توقعات كثير من المحللين الذين اعتقدوا أن الأرباح قد تهبط بالحدة التي هبطت بها الأرباح السنوية لعام 2015 والتي بلغ انكماشها 13.9 في المئة.
البنوك والبتروكيماويات
أغلب بنوك السعودية الـ12 المدرجة في البورصة سجلت نتائج تفوق توقعات المحللين في الربع الأول إذ زادت أرباحها مجتمعة بنسبة 0.6 في المئة إلى 10.01 مليار ريال بالمقارنة مع نموها 7.2 في المئة في العام الماضي كله.
ولم تكن مخصصات القروض المتعثرة بالضخامة التي كان المحللون يخشونها وذلك رغم أنها جاءت عموماً أكبر قليلاً مما كانت عليه قبل عام.
ومع ذلك يعتقد كثير من المحللين أن المخصصات قد ترتفع في الأرباع المقبلة مع استمرار تداعيات التقشف على الاقتصاد. فعلى سبيل المثال عمدت مجموعة بن لادن وهي من كبرى شركات البناء في السعودية إلى الاستغناء عن آلاف العمال ويعتقد المصرفيون أن من المحتمل إعادة هيكلة بعض ديونها.
ومن عوامل القلق الأخرى للبنوك تباطؤ نمو الودائع بسبب انكماش التدفقات من أموال النفط. وقد انكمش إجمالي الودائع المصرفية بنسبة 0.6 في المئة عما كان عليه قبل عام في مارس/ آذار الماضي بعد أن كانت تنمو بمعدل يفوق الـ10 في المئة حتى العام الماضي.
وقال اقتصادي سعودي يعمل مع الحكومة طلب عدم نشر اسمه لأنه ليس مخولاً سلطة الحديث مع وسائل الإعلام «يعتقد كثيرون أن نتائج البنوك بصفة خاصة في الربع الأول من العام الجاري مؤشر متأخر وليس استشرافياً أي أن النتائج تعكس أيام ما قبل تغيير الدعم أكثر مما تعكس شيئاً آخر.»
وأضاف «في الأرباع المقبلة ستبدأ في رؤية تزايد التخلف عن السداد ودخول البنوك في حالة من البلبلة ولذلك ستتدهور النتائج.»
وقد انخفضت أرباح الشركات العشر الكبرى في قطاع البتروكيماويات بنسبة 8.9 في المئة في الربع الأول إلى 4.33 مليار ريال لكن هذا الانكماش جاء أفضل كثيراً منه في 2015 عندما أدى انخفاض أسعار المنتجات بسبب رخص النفط إلى تقليص الأرباح بنسبة 36.9 في المئة.
وأعلنت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) إحدى أكبر شركات البتروكيماويات في العالم انخفاضاً بنسبة 13.2 في المئة أرباح الربع الأول لتصل إلى 3.41 مليار ريال لكن هذا الرقم جاء أعلى من متوسط توقعات المحللين الذي بلغ 2.84 مليار ريال.
وقال الجبران «عموماً استطاعت الهوامش الإجمالية أن تتفوق على التوقعات لأن المنتجين تمكنوا من السيطرة على التكاليف سواء التشغيلية أو العامة.»
وأضاف أن أثر تخفيضات الدعم في هوامش شركات البتروكيماويات حتى الآن كان أقل مما توقعه المحللون بل والشركات نفسها. لكنه حذر من أن بعض الشركات ما زالت تتمتع بأسعار مخفضة لمستلزمات الإنتاج وهذه الأسعار سترتفع في نهاية المطاف في بيئة التقشف.
وقال الجبران «قد يثبت أن جزءاً من الاستراتيجية الحالية التي تبنتها الشركات لتحسين كفاءة الأداء وخفض التكاليف غير قابلة للاستمرار لأن الهوامش ستنكمش في الأرباع المقبلة إذا زادت أسعار خام اللقيم الحالية والذي مازال بعض اللاعبين يستخدمونه بأسعار مخفضة.»
وتكشف أرباح شركات تجارة التجزئة أثر التقشف في الطلب الاستهلاكي في المملكة حيث تم الاستغناء عن بعض من العمال الوافدين البالغ عددهم 10 ملايين وأعيدوا إلى بلادهم. (رويترز)
كانت هناك فروق كبيرة في أداء الربع الأول بين القطاعات وكانت أشد الصناعات تضرراً هي الأكثر عرضة بشكل مباشر لطلب المستهلكين مثل تجارة التجزئة.
وعزت البيانات التي أصدرتها الشركات جانباً كبيراً من أرباحها التي جاءت أفضل من المتوقع إلى خفض التكاليف ومكاسب في كفاءة التشغيل وهي تدابير لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى إذا كانت هذه الشركات تريد أن تنمو. ويشير ذلك إلى أن هبوط الأرباح قد تتسارع وتيرته في وقت لاحق من العام الجاري أو العام المقبل.
وقال جاسم الجبران المحلل لدى الجزيرة كابيتال في الرياض «الشركات تمكنت من الاستفادة من المكاسب السهلة لخفض الإنفاق الزائد هذه المرة».
وأضاف «لكن الأرباع العديدة التالية ستبرهن على أن الشركات ستبحث عن أي فتات تضيفه لنمو الأرباح وتمر بإعادة هيكلة ضخمة وهي تواجه المزيد من الضغوط جراء التقشف».
رغم أنه لم يحدث الاستغناء عن مواطنين سعوديين على نطاق كبير حتى الآن فقد حد من قدرتهم الشرائية انخفاض ما يحصلون عليه من مكافآت سخية ومقابل ساعات العمل الإضافية في حين أن الغموض الذي يكتنف الاقتصاد جعلهم أكثر حذراً في الإنفاق.
وبصعوبة استطاعت شركة فواز الحكير لتجارة التجزئة -التي تملك حقوق استغلال العلامات التجارية لشركات من بينها مانجو وزارا وبنانا ريبابليك- تحقيق التعادل بين الإيرادات والمصروفات في الربع الأول وانخفض صافي أرباحها 98 في المئة.
وكان من أسباب هذا الانخفاض قوة المبيعات على غير المعتاد في الربع المقابل من العام السابق.
وقال محمد الشماسي رئيس إدارة الأصول بشركة دراية المالية إن الشركات السعودية التي يتركز نشاطها على السوق المحلي ستواجه ضغوطاً أكبر على هوامشها مع تزايد حساسية المستهلكين للأسعار وعرض الشركات تخفيضات لجذب المشترين.