5.14.2016

الاستثمارات الأجنبية وأسواق الخليج.. حقائق وأوهام

محمد صالح الهاشمي

من المتوقع أن تثمر جهود ومبادرات تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل التي تنتهجها الحكومات الخليجية على المديين المتوسط والطويل، في ضوء الانخفاض المطول في أسعار النفط، عن تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي. رغم أن التغييرات الهيكلية لبعض الأسواق ستزيد من جاذبية الاستثمار في المنطقة، إلا أن هناك عوامل أخرى سيأخذها المستثمرون الأجانب بعين الاعتبار قبل تخصيصهم الأموال لاستثماراتهم في أسواق المنطقة.
بحسب رؤيتنا، فإن الجزء الأكبر من رؤوس الأموال في أسواق دول مجلس التعاون يأتي من المستثمرين الأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة والمرتفعة جداً، والذين يرتكزون في قراراتهم الاستثمارية على الاتجاه السائد في السوق. ومن النادر جداً لمستثمرين أفراد أجانب أن يحاولوا دخول السوق بشكل مباشر بأنفسهم، لأن هؤلاء يختارون في العادة دخول السوق عبر صناديق تخضع لإدارة مهنية متخصصة وقدر جيد من التنظيم.
كما تستأثر المؤسسات الاستثمارية الأجنبية بحصة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، ومن الأمثلة على هذه المؤسسات صناديق التقاعد والأذرع الاستثمارية لشركات التأمين والتي تخصص جزءاً من استثماراتها لأسواق الخليج عبر المحافظ الاستثمارية المدارة. وعادة ما تعزى فترات الارتفاع والتراجع الملحوظ في الأسواق، جزئياً أو كلياً، إلى الزيادة الحادة غير المنتظمة لتدفقات رؤوس الأموال الواردة والصادرة عن هذه القاعدة من المستثمرين. والحقيقة هي أن الأغلبية العظمى من هذه المؤسسات تتبع منهجية في غاية التنظيم وتقوم على مجموعة من الإجراءات المدروسة، ونهج استثماري منضبط وأقل تسرعاً.
هناك أربعة عوامل دائمة الحضور ذات تأثير كبير في تحديد توقيت وحجم المخصصات الاستثمارية الأجنبية، وهي: الأساسيات، السيولة، الإدراج في مؤشر مالي، وسهولة الدخول. وتنبع أهمية الأساسيات من كون قرارات المستثمر الأجنبي لدخول أسواق الخليج تُتخذ عادة من قبل مديري استثمار متخصصين. وهذا يعني أن قدراً كبيراً من الاهتمام يعطى لعمليات تحليل وتقييم نوعي وكمي دقيقين للاقتصادات والأسواق، بما في ذلك الحوكمة المؤسسية. وهؤلاء المديرون يقيمون أسواق الخليج قياساً ببيانات الأسواق الناشئة والأجنبية الأخرى التي تتاح بياناتها بين أيديهم.
ولا تقل مستويات السيولة أهمية عن عامل التحليل الأساسي. إذ يبحث المستثمر الأجنبي بشكل مستمر عن الفرصة المواتية لنقل مخصصاته الاستثمارية من منطقة لأخرى وبالتالي يرغب في الاستثمار بسوق تتيح سهولة الخروج دون عوائق.
كما أن كون السوق مشمولاً في مؤشر مالي أو مؤشر أداء معروف يؤثر أيضاً في قرارات مديري الاستثمار الأجنبي النشطين الذين يتابعون حركة المؤشرات المالية. وعادة ما يتم الحكم على أداء المحافظ والصناديق التي يديرونها بالقياس مع مؤشرات الأسهم المعيارية والتي تساعد على رسم ملامح استراتيجياتهم الاستثمارية.
ويعتبر وزن سوق معين على مؤشر مالي أيضاً عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين حول حجم رؤوس الأموال التي سيخصصونها لهذا السوق. وعلى سبيل المثال، تشكل الإمارات 0.92% من مؤشر إم إس سي آي للأسواق الناشئة الذي يحظى بمتابعة واسعة، فيما تشكل قطر 0.97% منه. ربما تبدو النسبة ضئيلة، غير أن مجرد شمولية المؤشر للسوقين تضمن استقطابهما لاهتمام المستثمرين المتابعين للمؤشر أو الذين يخصصون استثماراتهم اعتماداً عليه. والعامل الرابع والأخير بين هذه العوامل المهمة هو سهولة الدخول إلى السوق، بما في ذلك القيود المفروضة على الملكية. وقد حققت أسواق الخليج تقدماً مضطرداً على هذا الجانب، بما في ذلك فتح السوق المالية السعودية «تداول» العام الماضي أمام المستثمرين الأجانب وفق معايير محددة والزيادة التدريجية في نسبة تملك الأجانب في العديد من الشركات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، وخير مثال على ذلك شركة «اتصالات».
وتشير الدراسات إلى أن ما يزيد على 80 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في أسواق الخليج تأتي من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ولا غرابة في ذلك بالنظر إلى وجود صناعة كبيرة ومتطورة لإدارة الأصول وصناديق التقاعد في السوقين وتمتعها بصلاحية تخصيص أصول استثمارية تشمل الأسواق الناشئة والحدودية.
أما نسبة 20 في المئة المتبقية من الاستثمارات الأجنبية في أسواق الخليج فتأتي من أوروبا إلى جانب استثمارات أقل من منطقة آسيا-المحيط الهادئ ودول أخرى.
وقد شهدت السنوات القليلة الماضية اهتماماً متزايداً بأسواق المنطقة من جانب المستثمرين الأجانب حيث تشير التقديرات إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي ازدادت من 5.1 مليار دولار إلى 9.8 مليار دولار في الفترة من 2011 وحتى 2014. ومع أن الظروف السائدة على المدى القصير والمتوسط قد تدفع بالمستثمرين الأجانب نحو نقل استثماراتهم إلى مناطق أخرى، فإن الاتجاه العام في السوق على الأرجح سيظل صاعداً على المدى الطويل.

Popular Posts (Last 7 Days)