5.14.2016

من نظرية الاقتصاد إلى واقع السوق

د. عماد ملكاوي *

من يراقب الشأن الاقتصادي على مستوى العالم يلاحظ بوضوح أن التقلب وعدم الاستقرار أصبحا من السمات الغالبة على الأوضاع الاقتصادية، ليس على مستوى الدول النامية فحسب، بل حتى على مستوى الدول التي وصلت إلى مكانة مرموقة من النمو والازدهار، ولايزال العالم حتى اليوم يعاني الآثار والتوابع الزلزالية لأزمة 2008 التي أطاحت بكبريات البنوك مثل بنك ليمان براذرز، وكبدت الاقتصاد العالمي خسائر لم يتفقوا على حجمها لكنهم أجمعوا على هولها وضخامتها. ومن ذلك الحين ولغاية الآن لاتزال السياسات النقدية العالمية رهينةً لإجراءات التحفيز النقدي وتخفيض أسعار الفائدة التي اخترقت حاجز الصفر ودخلت في المستوى السالب. ومازلنا نستجدي التضخم الذي كنا نحاربه ونكبح جماحه في فترات النشاط والرواج، آملين أن يستجيب ويرتفع ولو بنسب قليلة لا تتجاوز 2%. ولا تبدو في الأفق نهاية قريبة لتلك السياسات باستثناء التحرك الذي بشر به بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة على الدولار كمؤشرٍ على التعافي الاقتصادي، ثم ها هو يتحدث عن ذلك على استحياء خوفاً على التأثيرات السلبية في بوادر النشاط الاقتصادي المستهدف.
لقد استطاع علماء الاقتصاد على مدار أزمنة مختلفة أن يقدموا لنا قواعد ونظريات، بل وأدوات عملية لتحليل الظواهر الاقتصادية كما قدموا إجابات وافية عن كثير من التساؤلات بحيث توفرت للقائمين على العملية الاقتصادية الوسائل اللازمة للتخطيط والبناء ومعالجة ما يظهر من مشاكل وعيوب. ومع ذلك فإننا أصبحنا نلمس وجود فجوة كبيرة بين ما تقوله بعض طروحات النظرية الاقتصادية وواقع السوق.
وسوف نحاول في هذا المقال أن نلمس جانباً من الأسباب التي ساهمت في ظهور هذه الفجوة لعلها تكون خطوة نحو العلاج.
إن علم الاقتصاد هو علم معرفي يقوم على دراسات ومفاهيم وخبرات تتراكم على مر العصور، ومن خلالها يستنبط الباحثون والعلماء قواعد ونظريات بعضها يبلغ من الصحة درجة البديهيات وبعضها لا يمكن الوثوق به إلا بشروط وفرضيات كثيرة، والمهم ألا ننظر إلى علم الاقتصاد ومثله علم الإدارة وغيرهما من العلوم الاجتماعية على أنها مسلمات وأن لا نضفي عليها نوعاً من القداسة، لا تقليلاً من شأنها ولكن من أجل ألا نحملها فوق ما تحتمل. فعلم الاقتصاد يتعامل مع آلاف المتغيرات التي تؤدي إلى ظواهر اقتصادية معروفة كالتضخم والانكماش والكساد وغيرها، فإذا بحثنا في ظاهرة منها لتحليلها وتحديد مسبباتها وأهملنا بعض المتغيرات والمؤثرات الداخلية أو الإقليمية أو الدولية فقد نصل إلى نتيجة تخالف الواقع الملموس فالنظرية شيء والواقع شئ آخر، ولتوضيح ذلك نقول إن إحدى الوسائل التي يستخدمها ساسة الاقتصاد لمكافحة الانكماش الاقتصادي هي تخفيض سعر الفائدة لأن من شأن هذا الإجراء أن يخفض كلفة القروض ويشجع الأفراد والمؤسسات على الاقتراض، وبالتالي يحرك عجلة الاستثمار كما أن أصحاب الودائع سوف يسحبون ودائعهم من البنوك لعدم قناعتهم بنسبة الفائدة التي يحصلون عليها ويضعون هذه الأموال في استثمارات أخرى أي يضخونها في السوق وهذه العمليات مجتمعة يفترض أن تحرك عجلة الاقتصاد. وها هي أسعار الفائدة في اليابان ودول الاتحاد الأوروبي ومنذ عدة سنوات بحدود الصفر وأقل منه ولم يظهر الأثر المنشود الذي بشر به اقتصاد الكتب والنظريات. وها هو منطق السوق ينسجم بواقعية مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي ترسم حدود الاستجابة لأي إجراء تتخذه البنوك المركزية.
هذا يؤكد أن على القائمين على الشأن الاقتصادي أن يفكروا في أدوات جديدة ويتجرأوا في التخلي عن قواعد قديمة وتبني أخرى حديثة وأن ينزلوا إلى الواقع ويعتمدوا على الدراسات السلوكية والاجتماعية وتحليل البيانات الإحصائية ويقيسوا اتجاهات وقناعات أفراد المجتمع قبل الإقدام على اتخاذ أي إجراء.
والقضية الثانية التي تتسبب في الفجوة بين نظرية الاقتصاد وواقعية السوق هي محاولة استنساخ التجارب ونقلها من مكانها الذي تحكمه ظروف ووقائع إلى مكان آخر لا تنطبق عليه نفس الوقائع والظروف، فإذا نجحت خطة اقتصادية في النهوض باقتصاد ألمانيا فلا يعني بالضرورة أنها صالحة لكل زمان ومكان، والوصفة أو الخطة التي يقدمها صندوق النقد الدولي للتصحيح الاقتصادي لدولة معينة لا ينبغي تقديمها نفسها بكل حيثياتها لكل دولة تعاني خللاً في هيكلها الاقتصادي مع غض النظر عن العوامل والاعتبارات الاجتماعية. وقل مثل ذلك عن الاستشارات والدراسات التي تقدمها بيوت الخبرة العالمية والتي تقع أحياناً ولا أقول دائماً في نفس الخطأ حين تلجأ إلى أسلوب النسخ واللصق عند إعداد الدراسات وتقديم التوصيات.
لا أدعوا إلى عدم الاستفادة من تجارب الآخرين ونقل خبراتهم، بل إن هذا من الضروريات التي لا غنى عنها ولكن الاستفادة من خبرة الغير شيء واستخدام الحلول الجاهزة شئ آخر.
والنقطة الثالثة تتمثل في التطور الهائل الذي شمل كافة مجالات ونواحي الحياة وما نتج عنه من تقدم كبير في مجال التكنولوجيا والعلوم خاصة تكنولوجيا الحاسب الآلي والاتصالات والنقل وتكنولوجيا تخزين البيانات الكبرى Big Data وحلول معالجتها، والتطور الكبير في مفاهيم القياس والتنبؤ وتحليل وإدارة المخاطر، ماجعل الكثير من أدوات السياسات الاقتصادية تبدو متخلفة وعاجزة أمام ذلك السيل الجارف من البيانات والمتغيرات المتسارعة.
لقد تحول العالم إلى مجتمع صغير انقلبت فيه الكثير من المفاهيم التي اعتبرت في وقت من الأوقات من المسلمات ما يدعو إلى مراجعة الكثير من الفرضيات حتى لو كانت تشكل الأساس لنظرية وعلم الاقتصاد. فقد قامت النظرية الاقتصادية على فرضية الندرة أي أن الموارد محدودة والاحتياجات غير محدودة، وهذا يعني ضرورة تخصيص الموارد وتوزيعها بشكل عادل.

* مدير ترند كاست للاستشارات