6.01.2016

فرنسا تفقد هويتها

عصام الجردي

يصر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قبل نحو عشرة شهور من الانتخابات الرئاسية في 2017، وعلى وقع تظاهرات وإضرابات بلغت مفاعل الطاقة النووية، على مغادرة الإليزيه مكسوراً كما لم يفعل غيره من أسلافه. ذلك أن هزيمته المتوقعة على نطاق واسع في الشارع الفرنسي لو ترشح إلى ولاية ثانية، لن تكون مجرد هزيمة تقليدية فيها غالب ومغلوب. فالرجل تجرأ على كبيرتين تعنيان الكثير للشعب الفرنسي وللحزب الاشتراكي. الأولى تجاسره على الإخلال بعقد الرفاه الاجتماعي الذي به تميزت فرنسا عن أقرانها من دول الاتحاد الأوروبي. والثانية تعريض الحزب الاشتراكي إلى انقسام يتجاوز التيارات المعارضة فيه لسياسات الرئيس الاقتصادية والاجتماعية التي تنامت بقوة في فترة وجوده في الإليزيه.
عوّل الكثيرون على هولاند بعد انتخابه في 2012 على تعزيز عقد الرفاه الاجتماعي. هو الذي قاد التيار الأوروبي المناوئ لسياسات التقشف المالي القاسي سبيلاً بالأولوية لدفع النمو ولجبه البطالة في منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي، حتى إذا اصطدم بألمانيا التي ما زالت تمسك بهيكل اتحاد فيه الكثير من مواطن الوهن والضعف، تراجع عن موقفه في مقابل تجديد فترة التزام حكومته 3 في المئة عجزاً مالياً إلى الناتج المحلي بحسب المعيار الأوروبي حتى 2017. وقد أخفق في إنجاز ذلك فترتي سماح سابقتين في 2014 و2015. وحين أيقن هولاند قبل ثمانية عشر شهراً على انتهاء ولايته بعقم سياسته لتحقيق النمو وخلق فرص العمل، استحضر من جديد ما سماه «مشروع إصلاح قانون العمل» الذي فشل في جمع أكثرية له في كل مرة حاول فيها إقراره في مجلس النواب، ثم عاد وأقره من دون موافقة المجلس مستخدماً صلاحيات استثنائية يخوله إياها الدستور في حالات معينة.
لماذا يخل القانون المذكور بعقد الرفاه الاجتماعي الفرنسي؟ الأسباب كثيرة. رمزية ديمومة العمل تساوي لدى الفرنسيين نشيد المارسيلياز. لا يعني الأمر أن الصرف من العمل حرم على صاحبه، لكنه يفرض شروطاً يحميها عقد الرفاه. من ذلك تعويضات كبيرة تبعاً لحالة الصرف، وسنوات الخدمة، وسن الأجير وغيرها تقررها المحكمة في حال الصرف العسف. القانون وضع سقوفاً لتعويضات الصرف التي يقررها القضاء. عدلته الحكومة ورفعت السقوف تحت ضغط الإضرابات. ولم تلغها فبقي الخلاف قائماً. يحمي القانون الصرف الكيفي «لأسباب اقتصادية». وحددت الأخيرة في حال مواجهة المؤسسة خسائر أو تراجعت استثماراتها بضعة أشهر من دون انقطاع. بينما القانون السابق يترك للقضاء في حال الصرف الإفرادي و/‏أو الجمعي تحديد ظروف الصرف، ومدى صحة دعوى المؤسسة بأنها تحقق خسائر، أو تعاني إعساراً ترسملياً أو تراجع حصتها في السوق والصادرات وخلاف ذلك، وصولاً إلى تحديد حالات الإفلاس. إلى ذلك، فعدد كبير من المؤسسات يملك مؤسسات فرعية وسلاسل إنتاج وتوريد في مجالات أخرى مختلفة ليس في الضرورة أن تكون مشمولة بالصعوبات التي تعاني المؤسسة الأم وتحقق أرباحاً. القانون الجديد يتجاهل هذه المعطيات والوقائع.
يلتف القانون على ساعات العمل الاستثنائية التي تتطلبها العقود التنافسية للمؤسسات الصغيرة (خمسون عاملاً) ويتيح لإداراتها الاتفاق على الأجور الإضافية بعيداً من النقابات وخلافاً لعقود العمل الجمعية. ويجيز الصرف من العمل في حال رفض المستخدمين.جوهر عقد الرفاه الاجتماعي الفرنسي لا يقوم على تعويضات البطالة وشبكة التأمينات الاجتماعية والصحية، وعلى العطاءات ذات الصلة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل وعلى ديمومة العمل ومستوى الأجور. ديمومة العمل أساسية للدخل المستمر ولاستمرار التقديمات الاجتماعية والصحية من دون اجتزاء. ساعات العمل تساوي الأجور الحقيقية والجهد المبذول في المقابل. والأجور تساوي الحصة العادلة للموارد البشرية في تكلفة الإنتاج والأرباح. والأهم، أنها القاعدة لاحتساب تعويضات نهاية الخدمة. إقصاء النقابات عن التفاوض على عقود العمل الجديدة بحسب حالة كل مؤسسة يطيح بشبكة الحماية الحقيقية للعمال والمستخدمين. ويعطل دورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الكبير في الحياة العامة الفرنسية. لكل تلك الأسباب وليس على وجه الحصر، فرنسا شبه مشلولة الآن في مرافق استراتيجية وحيوية. 3 فقط من 19 موقعاً تؤمن 75 في المئة من إنتاج الكهرباء المستولد من 58 مفاعلاً نووياً قيد العمل ( في نهاية مايو/‏أيار الماضي ) ويستعد طيارو آير فرانس وعمال المناولة في مطاري شارل ديغول وليون إلى الالتحاق بالإضراب.