لا أحد ينكر أن اقتصاد السوق الحر قدم لبولندا الكثير من الخدمات. فمنذ التحول الكبير الذي اتبعته إثر سقوط المنظومة الاشتراكية في التسعينات من القرن الماضي لم تعرف الركود واستمر اقتصادها في تحقيق النمو حتى إبان الأزمات العالمية. وأكد مسؤول في صندوق النقد الدولي من أصل بولندي أن بلاده عوضت خلال العقدين الماضيين تراجع 500 عام على مقياس مقارنتها مع دول غربية أخرى.
وهكذا يصبح التصريح الأخير الذي صدر عن وزير اقتصادها ماتيوس موراويكي، مؤخراً والذي قال فيه «وداعاً لليبرالية الحديثة»، مثار جدل مبرر في أوساط المستثمرين وشركاء بولندا التجاريين. ويخشى هؤلاء من أن ترتكب بولندا نفس الخطأ الذي وقعت فيه هنغاريا في حال اعتماد الخطاب الوطني واعتماد سياسة الحماية ما قد يسفر عن تردي بيئة العمل وتراجع النمو. وقد أوحى القانون الأخير الذي اعتمدته حكومة بودابست تحت عنوان «العدالة وسيادة القانون» بأنها تدير ظهرها للديمقراطية الليبرالية. إلا أن وارسو لا تنوي إثارة القلق في الأسواق والعودة إلى المركزية في التخطيط والإدارة. وكل ما هنالك أن وزير الاقتصاد موراويكي يريد إعادة التوازن لاقتصاد البلاد بالتخفيف من الاعتماد المفرط على رأس المال الأجنبي. وبدلاً من توظيف العمالة الوطنية الرخيصة في خدمة شركات ألمانية وفرنسية يريد أن يمنح شركات بولندا الوطنية فرصة الازدهار وتطوير قدراتها التنافسية. وهذا يعني دوراً ما للحكومة يراه في «الشراكة والتخطيط» للأعمال والمشاريع.
وهذه أهداف مشروعة ولا شك في مرحلة التحول الثانية لبولندا ما بعد الشيوعية. فقد نتج عن استقطابها الاستثمارات الأجنبية في التسعينات عبر برنامج الخصخصة تحديث متسارع بفضل استيراد التقنية والخبرات وجذب الاستثمارات العالمية. ونجحت كذلك في تحاشي السقوط في فخ سيطرة القوى المتنفذة كما هو الحال في روسيا.
إلا أن تلك المرحلة تسببت في سيطرة الشركات الأجنبية على بعض قطاعات الاقتصاد خاصة القطاع المصرفي. وقد تبدت سلبيات ذلك إبان الأزمة المالية الأخيرة عندما سارعت البنوك الغربية لسحب أموالها من دول أوروبا الشرقية لضمان سلامة موازينها الختامية.
لكن سعي بولندا لتوسيع نطاق حضور بنوكها في النشاط المالي المحلي ينبغي ألا يكون عبر الضغط على البنوك الأجنبية كما فعلت هنغاريا. فقد عمد رئيس وزرائها فيكتور أوربان لفرض ضرائب باهظة على شركات التجزئة والاتصالات والطاقة وهي شركات تهيمن عليها الاستثمارات الأجنبية، ما أسفر عن تبخر أرباح البنوك. ولجأ مستثمرون أجانب لبيع استثماراتهم لشركاء هنغاريين. وتراجعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية والقروض المصرفية بشكل لافت. وتخطط وارسو لفرض ضريبة على قطاع التجزئة وأخرى على البنوك. وكشف رئيسها أندريه دودا عن خطط لدفع البنوك لتحمل تكاليف تحويل عقود رهن عقاري بقيمة 42 مليار فرنك سويسري إلى العملة المحلية بعد ترنحت أسعار الصرف الذي ألحق الضرر بالمقترضين. وبعد تحذيرات صدرت عن هيئة تنظيم القطاع من أن ذلك قد يتسبب في أزمة شاملة المح دودا مؤخراً إلى احتمال صرف النظر عن الخطة.
وإذا كانت وارسو راغبة في تقوية بنوكها الوطنية فينبغي ألا يكون ذلك عبر حصار البنوك الأجنبية والتضييق عليها بل بالبحث عن طرق لتطوير أسواقها المالية .
6.25.2016
بولندا ومخاطر إعادة التوازن لاقتصادها
فاينانشال تايمز
Popular Posts (Last 7 Days)
- متاحف الشارقة تعزز ثقافة الجمهور بالكائنات البحرية والخطوط العربية
- هاني شاكر ينتهي من «يابنت بلادي»
- بلدية أبوظبي تنفذ طرقاً في مدينة شخبوط بـ 277 مليون درهم
- أبل تهبط في وول ستريت مع الإعلان عن أجهزة آيفون الجديدة
- "جنح أبوظبي" تحدد موعد مرافعتي النيابة والدفاع في قضية "المحافظ الوهمية"
- أحمد بن سعيد يشهد تخريج طلبة الجامعة البريطانية
- رحيل مدحت السباعي
- خليفة يتلقى رسالة خطية من الرئيس الأوغندي تتصل بتطوير العلاقات
- أمصال الغدة النكافية غير مرتبطة بالتوحد
- حمدان بن محمد : منتدى دبي للاستثمار نموذج لمستقبل الاستثمار الاستراتيجي المستدام