6.18.2016

البنوك تستعد .. وقلق من العواقب على منطقة اليورو

ترجمة : ثابت الجرو

شهدت الأيام الأخيرة قيام عدد من أكبر البنوك الأجنبية العاملة في العاصمة البريطانية لندن بإعداد الخطط وتسريع الإجراءات لسحب آلاف العاملين من أفرعها الموجودة في المدينة، مع اقتراب موعد الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي من المقرر أن يبدأ في ال 23 من هذا الشهر، حيث يخشى المقرضون الأجانب من أن تفقد أفرعها العاملة في لندن والمدن البريطانية الأخرى الحق في حرية العمل عبر أوروبا، كما هي الحال الآن وفقاً للقوانين المنظمة لحرية التنقل بين دول الاتحاد الأوروبي.
بدأت البنوك الفرنسية فعلاً بإعداد خطط الطوارئ والاستعداد للنتائج التي يمكن أن تحدث في حال تصويت البريطانيين بالموافقة على قرار الخروج، وتشمل هذه الخطط إمكانية إعادة كوادر العاملين في فروع لندن إلى العاصمة باريس، حيث أعلن نائب عمدة باريس أن العاصمة الفرنسية «ستفرش السجاد الأحمر» لاستقبال المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال فور مغادرتهم لندن.
من جهته حذر بنك «إتش إس بي سي»، أكبر بنوك إنجلترا، بأنه سينقل نحو 1000 موظف إلى باريس إذا ما صوت البريطانيون على الخروج، وكذلك أعلنت البنوك الفرنسية العاملة في لندن مثل «بي إن بي باريبا» و «سوسيتيه جينيرال» و «كريدي أغريكول» بأنها ستسحب موظفيها وتعود بهم إلى باريس، وأعلن بنك «مورغان ستانلي» الأمريكي أنه يعد خططاً لنقل 1000 موظف من لندن إلى مدن أوروبية أخرى حيث من المتوقع أن تذهب غالبيتهم إلى مدينة فرانكفورت الألمانية، كما بدأت بنوك أخرى كالبنك الملكي الأسكتلندي و«لويدز» بالتخلي تدريجياً عن فكرة نقل شركاتها القابضة من العاصمة الأسكتلندية إدنبرة إلى لندن، وذلك بحسب ما أعلن بعض المسؤولين في البنوك الذين أبدوا تخوفهم من مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وأثرها على النشاط الاقتصادي، لا سيما القطاع المصرفي.
وبدأ العديد من المتابعين للشأن الأوروبي بطرح أسئلة حول خروج بريطانيا وإن كان سيؤدي إلى إثارة رغبة الأسكتلنديين في إجراء استفتاء لإعلان استقلالهم، وتشير المصادر إلى أن كبرى البنوك الأوروبية، ربما يترتب عليها تأسيس كيانات جديدة لها في الجنوب أي في أسكتلندا.
وقالت رئيسة وزراء أستكلندا نيكولا ستورجيون، إن تصويت البريطانيين على الخروج سيثير الرغبة في إجراء استفتاء على استقلال أسكتلندا، حيث إن الكثيرين من الشعب الأسكتلندي سيعودون مجدداً إلى فكرة الحصول على الاستقلال بهدف حماية عضويتهم في الاتحاد.
ومن جهة أخرى مازال عدد آخر من الخبراء الاقتصاديين يؤيدون خروج بريطانيا ويعتبرونها خطوة مهمة نحو تحقيق العديد من الفوائد في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبحسب نيل ماكينون، أحد أعضاء مجموعة المحللين الاقتصادين الداعمين للخروج، فإن تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي ليس بالأمر السيئ، ومن وجهة نظر اقتصادية فإن ذلك القرار سيكون له تأثيرات إيجابية عديدة على النمو الاقتصادي البريطاني.

ضخ مزيد من السيولة في اليورو

وفي سياق متصل، أعلن المركزي الأوروبي أنه رفع الجاهزية وبدأ بدراسة خطط بديلة للاستعداد لمواجهة قرار الخروج، وذلك من خلال تنشيط صفقات المقايضة الخاصة بالبنوك والمؤسسات المالية تحسباً لاحتمال إثارة خروج بريطانيا لموجة هروب رؤوس الأموال من الأسواق الأوروبية، كل هذا في الوقت الذي تشهد فيه البنوك الأوروبية مسبقاً تراجع أسهمها في البورصات العالمية، وذلك مع انخفاض ملحوظ في عوائدها خلال الأشهر الأولى من 2016، الأمر الذي يشير إلى أن عدداً كبيراً من تلك الشركات يتوقع أن يصوت البريطانيون لصالح قرار الخروج.
أشار مسؤولو البنك إلى أن المركزي الأوروبي مستعد لضخ مزيد من السيولة باليورو في المؤسسات المالية من خلال آليات قيد الدراسة، وذلك في حال قررت بريطانيا الخروج، وفي مثل هذا السيناريو، فإن ضخ كميات إضافية من اليورو سيخفف من حدة التوتر والاضطراب الذي سيصيب الأسواق نتيجة القرار، فضلاً عن إنعاش وتحريك رأس المال في القطاع المصرفي وتقليل المخاطر التي من الممكن أن تصيب الأسواق المالية الأوروبية، نتيجة عدم وضوح الرؤية حول التأثيرات المحتملة لقرار انفصال بريطانيا عن منطقة اليورو. وفي خضم تلك المخاوف والتخمينات تأتي تصريحات صناع القرار في المركزي الأوروبي لتهدأة الأسواق وإرسال تطمينات إلى الأسواق الأوروبية حيث قال رئيس المركزي اللاتفي وعضو المجلس الرئاسي في المركزي الأوروبي إلمارز ريمسيفيكس، إن الحياة لن تتغير كثيراً بعد الاستفتاء، وأن جميع الاتفاقيات والمعاهدات السابقة ستظل قيد التنفيذ، وفي حال ظهرت نتائج سلبية في الأسواق نتيجة مغادرة بريطانيا، وكان لابد من التدخل، فإن لدينا الآليات اللازمة والوسائل التي يمكنها أن تساعد في استيعاب الصدمة.

هبوط أسهم البنوك

وبالنظر إلى هذه التطورات والنتائج، فقد بات العديد من المراقبين يعتقدون بشدة أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ربما يكون له تأثير سلبي أكبر على دول البر الرئيسي في أوروبا، وليس على المملكة المتحدة، حيث هبطت أسهم «دويتشه بنك»، أكبر البنوك الألمانية إلى أدنى مستوىً لها خلال الأسابيع الماضية وكذلك تراجعت أسهم البنوك الفرنسية والإيطالية، قبل أيام من الموعد المرتقب.
ومن الأمور الأخرى التي تثير حفيظة الدول الأوروبية أن بنك إنجلترا «بي أو إي» أصبح ميالاً إلى رفع معدل الفائدة الحالي إلى نسبة تتراوح بين 0.25% و 0.5%، بعد الاستفتاء مباشرة وذلك بهدف دعم الجنيه الاسترليني وزيادة رأس المال ودفعه إلى العودة بقوة أكبر إلى السوق البريطانية، الأمر الذي سيؤدي إلى توجيه ضربة إلى البنوك الأوروبية الأخرى في البر الرئيسي.
ومن الأمور الأخرى التي تؤرق دول الاتحاد الأوروبي موضوع الاتفاقيات التي أقرها الاتحاد في السابق والتي شملت بريطانيا كونها عضواً فيه، بما فيها تبادل العملات والمقايضة وتنظيم ضخ السيولة في الأسواق، حيث إن خروج بريطانيا سيعني أن بنك إنجلترا لم يعد مسؤولاً عن مثل هذه الاتفاقيات التي من شأنها أن تؤثر على النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، على الرغم من التصريحات التي أدلى بها رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، في وقت سابق من هذا الشهر حول جاهزية البنك واستعداده لاتخاذ كل ما يلزم لكبح المخاطر التي يمكنها أن تنتج عن خروج بريطانيا المحتمل من الاتحاد الأوروبي.