يوجد شبه إجماع من قبل الخبراء والمعنيين بالقطاع الصناعي محلياً وحتى عالمياً على أن الصناعة التحويلية تمثل «العمود الفقري» لنمو وتطور القطاع، حيث توفر المواد الأولية المحلية وكذلك المستوردة فرصاً لصناعة المنتجات النهائية للأسواق المحلية وللتصدير في ذات الوقت. وتتوافر في دولة الإمارات عشرات إن لم تكن مئات من المواد الأولية التي يمكن إقامة صناعات متكاملة منها بداية من النفط الخام، متمثلاً في إنتاج المواد النفطية كافة ومروراً بصناعات الحديد والألمنيوم وصولاً إلى إمكانية استغلال بعض أنواع الرمال والأحجار في تصنيع العديد من المنتجات الحيوية التي تفي باحتياجات السوق المحلي.
إن الإمارات ليست بحاجة لإثبات جدارتها في تأسيس قلاع صناعية عالمية منها على سبيل المثال لا الحصر: «ستراتا» و«الإمارات العالمية للألمنيوم» و«صناعات» و«سيراميك رأس الخيمة» و«جلفار للأدوية» و«جلف كرافت لصناعة اليخوت والقوارب» وغيرها الكثير من الصناعات العالمية التي أثبتت قدرتها على غزو أعتى الأسواق العالمية والمنافسة فيها.
وباتت الصناعات الإماراتية بما لا يدع مجالاً للشك تمتلك جواز مرور قوي لمئات الأسواق الإقليمية والعالمية، كونها تتمتع بمطابقة أعلى المعايير التصنيعية العالمية فضلاً عن الأسعار المناسبة والتي جعلت المنتج الإماراتي يستأثر بحصص نوعية من هذه الأسواق.
ونظراً لاحتلال القطاع الصناعي في الإمارات مرتبة مهمة ضمن مصادر الدخل الإجمالي للدولة، فإن الصناعات التحويلة لم تأخذ الاهتمام نفسه كونها تحتاج إلى مبادرات وحزم دعم حكومية تتركز حول دعم الصناعات المحلية وتفضيلها في المشاريع الحكومية على وجه الخصوص، الأمر الذي يشجع المصنعين المحليين على النمو وتحقيق الأرباح.
المبشر في موضوع الصناعة التحويلية أن الدولة باتت تؤمن منذ سنوات بمنهج التنويع الاقتصادي، الذي يهدف إلى تقليص اعتماد اقتصادها على القطاع النفطي كمصدر رئيسي للدخل، عبر إعطاء اهتمام بالقطاعات غير النفطية، ومن أبرزها قطاع الصناعة الذي تضعه الدولة بين أولوياتها في هذه المرحلة التنموية في مسيرة الاقتصاد الوطني، باعتبار أن التقدم الصناعي يعد أحد أبرز معايير التقدم والتنمية الاقتصادية المتبعة في العالم، وتأتي الصناعة التحويلية بكل تأكيد كأحد أهم روافد القطاع الصناعي في الدولة.
وتأتي أهمية القطاع الصناعي القصوى في مرحلة ما بعد النفط التي دشنتها الإمارات مؤخراً، لتلعب دوراً بالغ الأهمية في تهيئة مصادر مستدامة للثروة لصالح الأجيال المقبلة مبنية على استثمارات صناعية قوية على الأرض مدعومة بتوجهات استراتيجية من قبل القيادة الرشيدة للدولة التي تضع الأجيال الجديدة على رأس أولوياتها المستقبلية.
وتعمل دولة الإمارات في الفترة الحالية على تعزيز وحماية المكتسبات التي تحققت عبر عشرات السنين على يد المؤسسين من حكام وشيوخ الإمارات العظام، والذين عملوا بجد لبناء دولة مؤثرة إقليمياً وعالمياً في جميع المجالات والمجال الاقتصادي في العمق منها، وضمن هذه المكتسبات والقلاع الصناعية الكبرى التي بنيت في الدولة على مر السنين في ظل العديد من التحديات الجسام التي واكبتها كان من بينها الحروب والأزمات الاقتصادية القوية.
وبحسب وزارة الاقتصاد فإن الصناعات التحويلية تحتل مكانة خاصة على صعيد استقطاب الاستثمارات الخارجية للإمارات، حيث بلغ حجم رأس المال المستثمر في الصناعات التحويلية ما قيمته 127.6 مليار درهم حتى نهاية 2015، في حين تستحوذ صناعة المواد الغذائية والمشروبات على 31% منها، يليها قطاع الصناعات المعدنية الأساسية بحصة تقترب من 25%، ثم صناعة منتجات الخامات التعدينية غير المعدنية بنسبة 15%، أما صناعة منتجات تكرير النفط فتستحوذ على ما نسبته 6,7%.
وتشير هذه الأرقام إلى الموقع الاستراتيجي والحيوي الذي يحتله القطاع الصناعي في الإمارات، والتي تشير إلى أن الاقتصاد المحلي يسير في اتجاه الاستثمار الحقيقي، غير الريعي، البعيد عن النفط كمصدر أساسي للدخل والمعتمد على التنويع، الأمر الذي يضع فيه الصناعة التحويلية في موقع متقدم جداً كإحدى المحركات القوية للنمو الاقتصادي، عبر تداخلها في صناعات حيوية مثل الصناعات المتعلقة بمواد البناء ووسائل النقل والمواصلات وغيرها من مئات الصناعات.
ووفقاً للمعتقدات الاقتصادية التي تؤكد أنه ومع زيادة عدد السكان ومحورية دولة الإمارات الاقتصادية، تبقى قدرة الصناعة التحويلية على الوفاء باحتياجات السوق المحلي وتحقيق مكاسب مالية كبيرة، فضلاً عن ترسيخ مكانة الدولة عبر التصدير إلى أسواق قريبة من الدولة وبالأخص في قارتي آسيا وإفريقيا نسبية.
وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى الميزات النسبية التي تتمتع بها الإمارات عن العديد من دول الخليج والمنطقة وهي الجاهزية القوية للبنية التحتية التي تمثل داعماً كبيراً للنمو الاقتصادي ممثلة في شبكات الطرق المترامية والموانئ العالمية والمطارات التي تعمل على مدار الساعة فضلاً عن عدم فرض ضرائب على الصادرات.
إن الصناعات التحويلية تتمتع بفرص استثمارية ذهبية في الدولة، لكنها بحاجة في ذات الوقت إلى مواصلة الدعم متمثلة في الدعم الفني والتشريعي والمادي كذلك، لضمان استدامة هذا القطاع وتطوره على مر السنين في صالح الدولة وأجيالها الواعدة التي تنظر إلى مكانة دولتها بعين الزهو والافتخار.
*عضو مجلس إدارة «مجموعة الشيراوي»