6.13.2016

موجة الإنترنت الثالثة بين الاقتصاد والسياسة

جون ثورن هيل

نحن متفقون على أن المستقبل سيكون مثار دهشة الجميع ذلك أن عدداً من مفكري المستقبل ومنظريه أفرطوا في الرهان على حماسهم حيال ما يحمله من إبداعات حتى إن بعضهم أطلق على الفترة القادمة مسميات مختلفة من مثل «عصر الروبوتات» و«حقبة الآلة الثانية» و«الثورة الصناعية الرابعة».
وفي واقع الأمر نحن نقف على أعتاب حقبة شجاعة سوف تغمرنا بمفاجآت تقنية غير مسبوقة ووفرة اقتصادية مربكة. وكل ما علينا القيام به هو حسن إدارتها وتوظيفها بلا تبعات سلبية على حياتنا الاجتماعية.
وعلى مدى السنوات الثماني الماضية سجل النمو الاقتصادي العالمي تراجعا بنسبة 20% وتضاءلت معدلات الإنتاجية في العالم وسط الحديث عن ركود قطاعي. ورصدت كلينر بريكنز في تقريرها الأخير حول اقتصاد الإنترنت خفوتاً في نمو الطلب على خدماتها حيث استقر عدد المستخدمين في العالم بنحو 3 مليارات مستخدم دون زيادة تذكر ، في حين تتراجع وتيرة النمو في استخدام الهواتف الذكية.
فهل تتكسر موجة التقنية الافتراضية الأخيرة على صخور الواقع؟
يقول ستيف كيس مؤسس شركة «أمريكا أون لاين» ومؤلف كتاب «الموجة الثالثة» إن الإنترنت تزداد انتشاراً وهيمنة على اقتصادنا وتتسبب في تغيرات جذرية في كافة القطاعات الاقتصادية وفي مختلف مجالات حياتنا. ومثلما كان الحديث سابقا عن دخول الكهرباء في الصناعة يعتبر ضرباً من الخيال يعتبر الحديث اليوم عن سيطرة الإنترنت على كافة الأجهزة التي نتعامل بها خيالياً لكن «إنترنت الأشياء» صار واقعاً معاشاً.
وطبقا لتصنيف «كيس» فقد انطلقت موجة الإنترنت الأولى في الثمانينات عندما بدأت بعض الشركات الرائدة مثل «أمريكا أون لاين» ربط الناس بشبكة تقنياتها. وانطلقت الموجة الثانية عندما ربطت شبكات التواصل الاجتماعي المشتركين عبر مواقع غوغل وفيس بوك وغيرها بينما فجرت شركات مثل «انستغرام» و«سناب شات» موجة تطبيقات الأعمال الجديدة.
إلا أن الموجة الثالثة التي لا تزال قيد الانطلاق في نظر كيس، سيكون لها تأثير اعم واشمل حيث تعيد الإنترنت تشكيل قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والتربية والتعليم والنقل والطاقة. ويستعرض كيس في كتابه كيف يمكن نشر التقنيات الجديدة لتحقيق أهداف أكثر ذكاء بدل القفزات الفردية المنعزلة.
فعلى صعيد الرعاية الصحية يمكن أن يحمل كل فرد منا مجسات تتابع حالته الصحية لحظة بلحظة وتنبه صاحب العلاقة في حال الخطر. وهذا لا شك سوف يحدث تغييرا جذريا في طريقة علاج المرضى وطريقة عمل أنظمة الصحة. وإذا عرفنا أن قطاع الرعاية الصحية الأمريكي يعادل سدس الاقتصاد يتبين مدى أهمية التغييرات المنتظرة.
ولعل أهم جوانب الموضوع الذي يطرحه كيس يكمن فيما تعنيه هذه التغيرات لمبدعي وادي السيليكون. فهم غير قادرين على ركوب موجة التغيير منفردين. وهذا يعني أن هناك دورا محوريا للشركات والحكومات وهيئات التنظيم والتمويل. ويقول كيس«الشراكة في الموجة الثالثة هي سر نجاحها. ولن يجدي الغرور الذي ساد خلال الموجة الثانية كاستراتيجية عمل».
وتفيد تجربة اندماج «أمريكا أون لاين» مع «تايم وورنر» التي أسفرت عن تبخر 200 مليار دولار من أموال المساهمين ، بأن دور الناس مهم جدا في تحقيق النجاح. ولن تجدي الخطط على أهميتها في تحقيق الأهداف ما لم يكن استعداد الناس للمشاركة فيها قائما على الاستيعاب والحماسة لها.
وبينما اعترضت الموجة الثانية من الإنترنت عراقيل خاصة بها مثل تأخر توفير التقنيات ومخاطر الأسواق، فسوف يكون للموجة الثالثة عقبات أهمها السياسة. فخلال عصر الموجة الثالثة ستكون كافة القطاعات على درجة عالية من التنظيم. ويمكن للحكومات تسهيل اعتماد السيارات ذاتية القيادة مثلا أو منعها قطعياً.
وإذا صدقت تنبؤات كيس فسوف نواجه مشكلة في المستقبل. ففي وادي السيليكون هناك فلسفة عمل تقول إن المال فضيلة وإن الحكومة هي المشكلة وليست الحل. بالمقابل يزداد امتعاض رجال السياسة وعامة الناس من تغول حيتان التقنية في المجتمع. وتتراوح التهم التي تلصق بالتقنيين بين سرقة الخصوصية وإفساد الجيل وتخريب الرأي العام والتهرب الضريبي وتحدي مطالب هيئات تنفيذ القانون.
ومثلما وضع الخط الساخن بين واشنطن والكرملين حداً للحرب الباردة يمكن للهاتف«أي فون» أن يفتح باباً للتواصل بين البيت الأبيض ووادي السيليكون.