«عندما يحمل رجال الأعمال بعضاً من مسؤوليات الأمة، وتتعاون معهم الحكومات والمؤسسات لتغيير الواقع للأفضل، فأوطاننا بلا شك على طريق تنموي صحيح». (صاحب السمو الشيخ محمد بين راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ،رعاه الله، مثنياً على مبادرة رجل الأعمال عبد الله الغرير بإيقاف ثلث ثروته (4,2 مليار درهم) لدعم التعليم.
المسؤولية المجتمعية للشركات هي شكل من أشكال التنظيم الذاتي للشركات تقوم به للعمل بطريقة اقتصادية واجتماعية يهدف إلى تبني المسؤولية عن أعمال الشركة وإحداث تنمية اقتصادية مستدامة.
وأصبح مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات اليوم ليس مألوفاً فحسب بل أصبح من المستلزمات الضرورية فأصبح العديد من الشركات تنشئ أقساماً خاصة للمسؤولية المجتمعية إما بدوافع ذاتية أو نتيجة استجابة لضغوط من المجتمع.
ولم يعد تقييم شركات القطاع الخاص اليوم يعتمد على ربحيتها فحسب بل في قدرتها على الإسهام في عملية تنمية المجتمع بشكل عام. فهذه الشركات ليست معزولة عن المجتمع الذي تعيش فيه وتنمو وبالتالي فلابد لها أن تتفاعل معه.
واكتسب مفهوم المسؤولية المجتمعية بعداً دولياً بعد أن صدر الميثاق العالمي من الأمم المتحدة عام 2000 ، وهي مجموعة من السياسات المعنية بوضع معايير وضوابط للأعمال في إطار مبادئ عالمية.
وفي منطقة الشرق الأوسط فإن الوعي بأهمية ممارسات المسؤولية المجتمعية ما زال ضعيفاً. إذ لم يتجاوز عدد الشركات التي وقعت على الميثاق العالمي 306 شركات فقط تمثل نحو 4% من العدد العالمي للشركات الموقعة.
ومن الملاحظ أن معظم الممارسات الحالية لمفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات لا يزال مرتبطاً بمفهوم العمل الخيري مثل توفير الغذاء والسكن والملابس للفقراء. ولم يتطور هذا المفهوم ليشمل تحسين الظروف التعليمية والطبية والبيئية من أجل تحقيق تنمية مستدامة. وربما يعود هذا إلى عدم الوعي الكامل بمفهوم المسؤولية المجتمعية بالإضافة إلى أن الأشكال الأولى لا تستلزم جهداً إدارياً كبيراً سوى تحرير شيك في بعض الأحيان. كما قد يعود سبب هذا المفهوم في المنطقة إلى اعتبار أن المسؤولية المجتمعية مرتبط في المفهوم الإسلامي بأعمال البر على الرغم من أن الدين الإسلامي من أكثر الأديان التي رسخت مفهوم وثقافة المسؤولية المجتمعية وبشكل أشمل وأكثر عمقاً من مفهوم العمل الخيري البسيط.
ومع أن شركات القطاع الخاص ليست شركات خيرية بل إن هدفها الأول والذي لا غبار عليه هو تحقيق أكبر عائد من الربح لأصحابها إلا أن قيام الشركات بدورها تجاه المجتمع يوفر دعم أفراد المجتمع لها والمساهمة في إنجاح أهدافها ، ما يؤدي إلى تحسين الصورة العامة للشركة ومنتجاتها وزيادة المبيعات وإخلاص العملاء. وأشارت دراسة قامت بها «منظمة تسخير الأعمال التجارية لصالح المسؤولية المجتمعية» في الولايات المتحدة إلى أن الشركات التي توازن بين مصالحها ومصالح حاملي الأسهم تحقق معدلات نمو ومعدلات توليد عمالة ماهرة تفوق الشركات الأخرى بنسبة أربعة أضعاف.
ومن هنا فإن مبادرة رجل الأعمال المعروف عبد الله الغرير بتخصيص ثلث ثروته لإنشاء مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم ، بهدف دعم المعرفة والابتكار وبناء اقتصاد معرفي مستدام يعد نموذجاً غير مسبوق في المنطقة في مفهوم المسؤولية المجتمعية. وهذا ما قصد إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما علّق على المبادرة قائلاً : «أعجبني في وقف عبد الله الغرير أنه حدد بوضوح منذ البداية مجالات وقفه في دعم التعليم والمعرفة والابتكار، وهي أهم ما يحتاجه العالم العربي اليوم». وتختص مؤسسة عبد الله الغرير للتعليم بدعم الشباب العربي وتزويده بالمعرفة والمهارات اللازمة لتحقيق مكانتهم كقادة للمستقبل عن طريق توفير فرص تعليمية وبرامج مخصصة للمنح الدراسية بالشراكة مع جامعات رائدة في المنطقة.
والمنطقة اليوم تحتاج إلى صياغة فهم أعمق للمسؤولية المجتمعية للشركات بحيث تكتسب صبغة استراتيجية وتصبح جزءاً عضوياً من عمل الشركات والمؤسسات. ولكن هذا الأمر يستلزم توفير بنية تشريعية مواتية لهذا التوجه. فعلى الرغم من أن الوقف بنوعيه الذري والخيري معروف في الفقه الإسلامي ، إلا أن التشريعات الحديثة للأسف لم تستطع إخراج هذا المفهوم في صيغة حديثة تمكن الشركات من الولوج في هذا المجال الحيوي والمهم. فقانون الشركات التجارية في الإمارات على سبيل المثال لا يزال يقصر مفهوم الشركة على تحقيق الربح ولم يواكب التشريعات الحديثة التي وسعت من مفهوم ونطاق عمل الشركة لتشمل حتى الأنشطة غير الربحية. بينما نجد في الغرب آلاف الشركات التي تمارس أنشطة غير ربحية تساهم في عملية تنمية المجتمع وما ذلك إلا لتوفير بيئة تشريعية حديثة تسمح بمثل هذا التوجه.
إن ولوج الشركات في دولة الإمارات إلى بوابة المسؤولية المجتمعية بمفهومه الأوسع - وليس بمفهومه الخيري المحدود - يتطلب اليوم موافقات خاصة وإجراءات قد تجعل بعض الشركات تستصعب الدخول فيها. لذا فالواجب يقتضي المبادرة إلى تبسيط الإجراءات الخاصة بالمسؤولية المجتمعية للشركات وتذليل الصعاب أمامها وجعلها متاحة للكافة ولا مانع من وجود أنظمة رقابة تضمن جدية ما تقوم به الشركات من أعمال منعاً لسوء الاستخدام أو حتى لا يصبح الأمر مجرد دعاية إعلامية دون مضمون. ولعل هذا ما قصده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما أشار إلى دور الحكومات والمؤسسات في التعاون مع رجال الأعمال لتغيير الواقع إلى الأفضل.
6.20.2016
المسؤولية المجتمعية للشركات .. وقف الغرير نموذجاً
د. حبيب الملا
Popular Posts (Last 7 Days)
- أرباح «التجاري الدولي» تقفز 59% إلى 36.5 مليون
- «أبوظبي التجاري للعقارات» تستعرض خدماتها
- لطافة المرأة تجذب الرجل في اللقاء الأول
- مجموعة الدانوب تحتفل بذكرى تأسيسها
- «مطارات دبي» تزيد الطاقة الاستيعابية بالخطة «دي إكس بي بلس»
- نشاط قياسي لمطار دبي بـ 7 ملايين مسافر في إبريل بنمو 7٪
- رئيس وزراء اليابان يلتقي نجوم السامبا القدامى
- بنك في نيجيريا يعمل بالطاقة الشمسية http://bit.ly/2lwRb2T http://bit.ly/2l57bWh
- وفاة الفنان سعيد صالح عن عمر يناهز 76 عامًا
- «الاقتصاد» تبحث اعتماد دليل استرشادي وعقود موحدة للإلكترونيات