لعل أكثر ما يقلق في فكرة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أنها السابقة الأولى من نوعها، فلم يسبق لدولة أن تركت الاتحاد، وإن كانت الفكرة داعبت رؤوس الكثيرين، وبالتالي فلا أحد يمكنه معرفة تأثيرات مثل هذه الخطوة أو فهمها بصورة كافية.
لكن الايكونوميست البريطانية سعت في محاولة منها لمعرفة أهم سلبيات وإيجابيات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفي ما يلي ما توصلت إليه من تصور مبدئي:
«رسوم» العضوية
لا شك في أن قرار الانسحاب سوف يشكل وفراً مباشراً لبريطانيا على مستوى رسوم العضوية، أو إسهامات بريطانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي، ففي 2015 وحده دفعت المملكة المتحدة 13 مليار استرليني، لكنها في الوقت نفسه تلقت 4.5 مليار استرليني، أي أن الإسهام وصل إلى 8.5 مليار استرليني، أي ما يعادل 7% مما تنفقه الحكومة على خدمات الرعاية الصحية سنوياً.
وليس من الواضح إن كانت المزايا المالية التي تعود على بريطانيا من العضوية عبر حرية التجارة أو التدفقات الاستثمارية كافية لتعويض التكلفة المادية المباشرة للعضوية.
التجارةيعتبر الاتحاد الأوروبي سوقاً مشتركة لا تفرض فيها التعريفات على التجارة بين الدول الأعضاء. وتبلغ حصة الدول الأعضاء في الاتحاد من الصادرات البريطانية ما يزيد على 50%. كما أن عضوية بريطانيا في الاتحاد تعطيها حق المشاركة في صياغة القواعد التي تحكم حركة التجارة.
وعلاوة على ما تقدم تستفيد المملكة المتحدة من اتفاقيات التجارة المبرمة بين الاتحاد وغيره من القوى العالمية. الجدير بالذكر هنا أن الاتحاد الأوروبي يتفاوض مع الولايات المتحدة لخلق أكبر منطقة تجارة حرة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجاباً وبقوة على قطاعات الأعمال البريطانية.
وهذا يعني أن بريطانيا تخاطر بفقدان مزايا هذه الاتفاقيات، إلا إنها سوف تكون حرة في الوقت نفسه لإبرام اتفاقياتها الخاصة.
ويرى نايجل فاراج، رئيس حزب الاستقلال البريطاني أن المملكة من الممكن أن تحذو حذو النرويج التي تفيد من السوق المشترك، لكنها لا تخضع لقوانين الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالزراعة والعدالة والشؤون المحلية. لكن هناك في المقابل من يرون أن فرصاً هكذا «طلاق ودي»، ربما لا تكون بهذه القوة.
لكن وفي حال رغبت بريطانيا في الانضمام إلى»النادي النرويجي«فهي ستبقى خاضعة لبقية قوانين الاتحاد، بما في ذلك التوجيهات المتعلقة بساعات العمل وغيره، والأسوأ أنها لن يكون عندها أي تأثير على صياغة هذه القوانين.
ويقترح بوريس جونسون قائد حملة «البريكست» تبني نهج كندا في التجارة. وقال: «أعتقد إنه يمكننا عقد صفقة كالكنديين تشمل التجارة وإلغاء التعريفات«. لكن الفكرة سرعان ما نبذها رئيس الوزراء قائلاً إنها تعني سنوات من المفاوضات المؤلمة تنتهي إلى اتفاقية أكثر فقراً وضعفاً مما لدينا اليوم».
ويقول مؤيدو الانسحاب، إن الغالبية العظمى من الشركات المتوسطة والصغيرة لا يمكنها المتاجرة مع دول الاتحاد الأوروبي مقيدة بعبء إجراءات صعبة مفروضة من الخارج.
وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «أوبن يوروب» إن أسوأ سيناريوهات الانسحاب من الاتحاد ستكبد بريطانيا خسارة تصل إلى 2.2% من الناتج المحلي بحلول 2030، مقارنة بخسارة وصلت إلى 6% من الناتج المحلي خلال الركود الاقتصادي عامي 2008/ 2009. لكن الدراسة قالت إن بريطانيا من الممكن أن تكسب 1.6% إضافية من الناتج المحلي في حال نجحت في إبرام اتفاقية تجارة حرة مع أوروبا.لكن من غير المعروف إن كانت دول الاتحاد الأخرى ستطرح شروطاً بهذا السخاء، ويجادل مؤيدو الانسحاب بإن إعادة بناء اتفاقية التجارة الحرة مع بريطانيا سوف تكون من صالح بقية دول الاتحاد، في الوقت الذي يقول فيه المعارضون إن الاتحاد لن يقدم الانسحاب على طبق من فضة لبريطانيا حتى لا يشجع على المزيد من الانسحابات.
وبالفعل قالت فرنسا مؤخراً إن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون له «عواقبه».
الاستثمار
من المتوقع أن تتباطأ تدفقات الاستثمار إلى بريطانيا مع اقتراب موعد التصويت مع عدم وضوح الرؤية حيال القرار النهائي وتبعاته، فهذا ما حدث بالفعل قبيل استفتاء الاستقلال لإسكتلندا عام 2014.
أما على المدى الطويل فتباينت الآراء، إذ يرى مؤيدو البقاء إن دور بريطانيا كواحدة من أكبر المراكز المالية على مستوى العالم سيتلاشى في حال قررت المغادرة وفقدت وضعها كبوابة للاتحاد الأوروبي أمام الشركات العالمية والبنوك الأمريكية. لكن مؤيدو البريكسيت يرون أن المملكة المتحدة، وبعد تحررها من قوانين الاتحاد الأوروبي، يمكنها أن تعيد بلورة اقتصادها باعتماد نموذج أقرب إلى ما تطبقه سنغافورة.
وعلاوة على ما تقدم أبرز قرار شركة «بي إم دبيلو» بتذكير موظفيها في «رولز رويس» و«ميني» بالمزايا المهمة لعضوية الاتحاد الأوروبي، أبرز المخاوف من تقليص شركات صناعة السيارات لإنتاجها في بريطانيا أو حتى إلغاء خطوط الإنتاج هناك كلياً في حال فقدت قدرتها على تصدير السيارات دون ضرائب إلى أوروبا.
وكذلك أعربت شركات أخرى عن تخوفها من تراجع عوائد الضرائب في حال قررت الشركات التي لديها أنشطة أعمال واسعة مع أوروبا، وبخاصة البنوك، نقل مقارها إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.
من جانبه وضع بنك «باركليز» تصوره للسيناريو الأسوأ حين قال، إن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي باقتصاداته الأكثر قوة سوف يؤثر على الوضع المالي ويفجر إضافة إلى ذلك حركة مناهضة للاتحاد الأوروبي في دول أخرى، ما يؤدي بحسب الدايلي تلغراف إلى تقويض المشروع الأوروبي برمته.
الهجرة
بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي لا يحق لبريطانيا منع أي شخص من دولة أخرى من الدول الأعضاء من القدوم إلى أراضيها، وكذلك يقيد البريطانيين من حرية التنقل والعمل في بقية دول الاتحاد الأوروبي. وأدت هذه القوانين إلى تنامي الهجرة إلى بريطانيا، خاصة من أوروبا الشرقية والجنوبية.
وتظهر البيانات الرسمية أن هناك 942 ألف مهاجر من أوروبا الشرقية ونحو 791 من أوروبا الغربية يعملون في بريطانيا، هذا علاوة على 2.93 مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي. ويرى البعض أنه وفي الوقت الذي تسببت فيه حرية الهجرة في بعض المصاعب على مستوى وفرة المساكن والخدمات، إلا أن الحصيلة النهائية كانت إيجابية إلى حد كبير.
لكن فاراج من جانبه يرى ضرورة وضع حد للهجرة وخفض أعداد المهاجرين بحدة، وقال إن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي هو السبيل الوحيد أمام بريطانيا «لاستعادة السيطرة على حدودها».
الوظائف
يعتمد تأثير الانسحاب من الاتحاد الأوروبي على الوظائف في بريطانيا على مجموعة معقدة من العوامل المتداخلة مثل التجارة والاستثمار والهجرة.
ويقول مؤيدو البقاء إن بريطانيا سوف تفقد 3 ملايين فرصة عمل لدى الانسحاب، لكن وفي الوقت الذي تؤكد فيه البيانات أن التجارة مع الاتحاد الأوروبي تسهم في خلق 3 ملايين فرصة عمل للمملكة المتحدة، إلا إنها لم تقل إن شرط العضوية ضرورة لخلق هذه الفرص.
وقال بعض رجال الأعمال، إن أجور الأيدي العاملة من الممكن أن ترتفع بصورة لافتة في حال كان القرار بالانسحاب، الأمر الذي سيفيد الموظفين بطبيعة الحال، لكنه سيصب سلباً على الشركات ويرفع فاتورة التكلفة لقطاعات الأعمال.
وعلاوة على ذلك سوف تفقد بريطانيا حقها في الاستفادة من قوانين حرية التنقل والعمل بين الدول الأعضاء في الاتحاد في حال كان التصويت بالانسحاب.