5.28.2016

أليس من واجب برلين أن تساند قرار تخفيف أعباء الديون اليونانية؟

مارك مازوير

وافق البرلمان اليوناني على إجراء إصلاحات لنظام الضرائب والمعاشات التقاعدية في البلاد، ما أثار مزيداً من الغضب في أوساط الشارع اليوناني، حيث أعلن البرلمان عن تعديلات وهوامش إضافية أكبر حتى مما كان متوقعاً، ولكن مع ذلك مازال هناك بعض الخلافات والمسائل الجوهرية العالقة التي لا بد من حلها، مثل الطريقة التي ستتم فيها إدارة فائض الميزانية الأولي خلال السنوات الثلاث القادمة، وفوق كل هذا تأتي مسألة تخفيف أعباء الديون التي تثقل كاهل الحكومة اليونانية منذ سنوات طويلة لتزيد الطين بلة وتطرح إشارات استفهام جديدة.
الخلاف بين صندوق النقد الدولي وحكومات الاتحاد الأوروبي حول هذه المسألة طفح على السطح في الآونة الأخيرة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الصندوق الدولي يبدو على حق في هذه المسألة بالذات، وأن صناع القرار في منطقة اليورو الذي يعارضون سياسة تخفيف أعباء الديون اليونانية يرتكبون بذلك خطأ فادحاً ربما يكلفهم أكثر مما يتوقعون، حيث إن الأزمة اليونانية لا يمكنها أن تبصر نور الانفراج دون معالجة هذه المسألة.
ويعارض الألمان ومن خلال وزير المالية فولفغانغ شوبل بشدة هذه المسألة، وحتى داخل البيت الألماني ظهر موقف معارض لإصرار شوبل على معارضته، من وزير الاقتصاد سيغمار غابرييل والذي على الأغلب سيتم تجاهله من قبل المستشارة أنجيلا ميركل، وذلك لكونه من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي لم يحصل على أصوات كافية في الانتخابات.
ويميل الرأي العام الألماني، بما في ذلك الحزب الحاكم بقيادة ميركل، إلى الاعتقاد بأن تخفيف أعباء الديون اليونانية يعد بمثابة خدمة كبيرة لا تستحقها الحكومة هناك، لأنها لم تفعل الكثير أو حتى لم تفعل أي شيء لتنال هذه الميزة، حيث لا يصب ذلك في مصلحة حكومة ميركل التي تعاني أساساً ضغوطاً داخلية كبيرة، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك يبدو من الحكمة بالنسبة للمستشارة أن تدرك بأن تخفيف أعباء الديون في اليونان سيكون في مصلحة القارة بالكامل وسيكون له العديد من الآثار الإيجابية، وأن هذا التعنت في فرض إجراءات التقشف في أنحاء منطقة اليورو ليس سوى سوء فهم لجوهر المشكلة التي سببها الرئيسي هو الفائض الحالي في الميزانية الألمانية.
ربما كانت هذه الإجراءات ذات فائدة ما في الماضي أما الآن فإن الأمور تتغير بشكل كبير، لا سيما بعد أن تفاقمت أزمة اللاجئين العالقين على الحدود اليونانية، واستغلال هذه الأزمة من جانب الأحزاب الرافضة بالأصل لفكرة «الاتحاد الأوروبي» وتحقيقها لمكاسب عديدة تهدد قيم ومبادئ منطقة اليورو.
وزير المالية اليوناني يوكليد تساكالوتوس حذر نظراءه الأوروبيين من مغبة تحويل بلاده إلى دولة «فاشلة»، وبالرغم من أن الكثير منهم ربما يعتقدون مسبقاً بأنها كذلك، إلا أنه على حق لأن المشاكل ربما تصبح أكبر وتتفاقم إلى حد لا يمكن السيطرة عليه إذا ما استمرت معضلة الديون تثقل كاهل اليونانيين في ظل الأزمة الجديدة المتمثلة في أعداد اللاجئين، حيث إن اليونان وعلى الرغم من مشكلاتها الكبيرة، تقوم بعمل جبار في مساعدة طالبي اللجوء ولن يكون هناك بديل أفضل لمساعدتها في مواجهة هذه المشكلة سوى تخفيف أعباء ديونها.
وقد استطاعت الحكومة اليونانية بقيادة حزب سيريزا الحصول على الأصوات الكافية لتمرير قانون إصلاح المعاشات، ولكنها ربما لن تستطيع كسب أصوات جديدة في المستقبل إن لم يغير الألمان والأوروبيون موقفهم من الديون، لا سيما وأن الحزب الديمقراطي الجديد في اليونان أصبح لديه رئيس جديد، كيرياكوس ميتسوتاكيس، الشخص المحبب من جانب العديد من القادة في أوروبا أكثر من رئيس الحكومة الحالي أليكسيس تسيبراس.
والحقيقة هي أن اليونانيين بلغوا ذروة المشاكل والمصائب الاقتصادية أكثر مما يتوقعه صناع القرار في القارة العجوز، لأنهم سيبدؤون بدفع ضرائب جديدة الأمر الذي يعني أن جيلاً كاملاً يواجه خطر العيش دون عمل في مجتمع يعاني نسيجه الاجتماعي خطر التفكك والانحطاط، وسيؤدي التصويت ضد إجراءات التقشف الجديدة إلى نتائج أكبر من مجرد الخروج من منطقة اليورو، بل سيظهر أيضاً أن الشعب اليوناني الذي كان في البداية من أكثر المتحمسين لفكرة الاتحاد الأوروبي، قد وصل إلى قمة اليأس من قادة هذا الاتحاد، ولا أحد يدرك طبيعة النتائج التي من الممكن أن تسفر عنها الأزمة، ولكن الشي الأكيد هو أن الاتحاد الأوروبي الذي كان يعتبر لعقود عدة إنجازاً تاريخياً في نظر الكثيرين لم يعد كذلك الآن.