5.28.2016

لا داعي للتسرع في الحكم على الاقتصاد الصيني

مايكل إيفانوفيتش

التقديرات المتسرعة التي تصدرها هذه المؤشرات الاقتصادية أو تلك، لا توفر التحليلات المفيدة ذات العلاقة الدقيقة بالاقتصاد الصيني، بل إنها بكل بساطة تقود إلى رهانات وتداولات لا تقل تسرعاً ورعونة.
مما لا شك فيه أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يرتكز على أسس قوية ويدار بمنهجية عالية. وهو يستحق نظرة أوسع على المدى القصير في أفق زمني مدته سنة واحدة، وعلى المدى المتوسط يصل إلى خمس سنوات لدراسة آفاق النمو واستقرار الأسعار.
ولمن يرغب في الحصول على خلاصة سريعة، يمكن الانطلاق من ذلك النوع من التحليلات المتسرعة، ولمن يرغب في دراسة توقعات النمو في الأجل المتوسط ينبغي معرفة أن متوسط معدلات النمو في الصين يصل إلى 6%.
ولكن، لا بد هنا باعتباري خبيراً في تحليل نماذج بناء الاقتصادات على المدى البعيد، من التحذير من أن الاعتماد على هذا التحليل أو ذاك، لا بد من أن يأخذ في عين الاعتبار احتمالات تعديل نتائجه أكثر من مرة.
وأود أن أبدأ بسؤال بسيط: هل تملك الصين ما يلزم لتحقيق الاستقرار والحفاظ على معدلات نمو مرتفعة نسبياً في الطلب والإنتاجية في السنوات المقبلة؟
فالصين لديها المال بالتأكيد. ومع بلوغ معدل الادخار 49% من الناتج الإجمالي المحلي، تملك الصين الكثير من مصادر التمويل الداخلية المتاحة بسهولة لدعم الاستثمارات المتزايدة في مواردها الذاتية.
وعلى صعيد الموارد البشرية أيضاً حيث يخيل للبعض أنه قد تكون لدى الصين مشكلات جمة، تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن قوة العمل النشطة نمت بمعدل سنوي يعادل 0.12% خلال السنوات الخمس المنتهية في 2015، أي أنها تراجعت بنسبة 0.27% فقط قياساً على السنوات الخمس التي سبقتها.
والنتيجة هي أن الصين تحتاج إلى عامل متوسط كلي (العمالة مع رأس المال) في نمو الإنتاجية يتراوح بين 5.8-5.9 % للحفاظ على إمكانات النمو غير التضخمي في الاقتصاد بواقع 6% على المدى المتوسط.
فهل هذا ممكن؟ تقول الأرقام إن متوسط معدل النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي البالغ 7.8% على مدى السنوات الخمس المنتهية عام 2015، ومتوسط نمو القوى العاملة السنوية البالغ 0.12% خلال الفترة نفسها، يشيران بوضوح إلى أن نمو عامل الإنتاجية الكلي تجاوز 6% وهنا سر النجاح.
وأدرك كغيري أن الأرقام الصينية قد لا تكون دقيقة. لكنني أود أن أكون محايداً ولا أدخل في هذا الجدل، خاصة أن كل الدراسات التي تجريها المنظمات الدولية تعتمد على الأرقام الرسمية الصينية.
ولكن بغض النظر عن ذلك، أعتقد أن بكين تدرك تماماً ما تسعى إلى تحقيقه وما الذي تغلق الأبواب في وجهه. ولذلك فإن جميع التغييرات الهيكلية الحالية التي تشهدها الصين ضمن برنامج الإصلاحات، تهدف إلى تعزيز كفاءة رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب المهني، وتعزيز الابتكار التكنولوجي لتحسين جودة رأسمالها المادي ومواردها البشرية.
والاختبار الحقيقي لهذه السياسات سيكون في سرعة معدلات النمو الاقتصادي في المستقبل واستقرار الأسعار وربحية قطاع الشركات. كل ذلك سيحدد مدى نجاح الصين في تبنيها لاقتصاد السوق الحقيقي.
وتلك هي العناصر التي نراقبها بدقة. فتخفيض طاقة الإنتاج المفرطة في عدد من القطاعات ذات الصلة بالاستثمارات الضخمة في البنى الأساسية، والطلب الخارجي المبالغ فيه هما جزءان من عملية التكيف التي تعيد توجيه الموارد لتحقيق درجة إنتاجية أعلى، وبالتالي دعم عمليات نمو مستقر ومستدام.
هذه العملية هي قيد التنفيذ الفعلي حالياً ويصفها رئيس الوزراء لي كاي شينغ، بأنها مؤلمة جداً وكأنك تفصل معصمك عن ذراعك. كما أنها تتزامن مع عملية إعادة تركيب للاقتصاد الصيني بحيث يعتمد على الاستهلاك المحلي وقطاع الخدمات.
هذه التغييرات قائمة بالفعل. ففي الربع الأول، شكل إنفاق الأسر ما يقرب من ثلثي عناصر النمو الاقتصادي، في حين فاق نمو قطاع الخدمات البالغ 7.6% مثيله في القطاعات الصناعية التقليدية بنسبة 1.8%.