وسط وهج رمال الصحراء مترامية الأطراف، ينظر العالم بانبهار شديد لملحمة بناء دولة الإمارات، مستلهماً الدروس المفيدة من رؤية القيادة، عندما تصنع واقعاً معاشاً، عنوانه «دولة البناء والتعمير».
ويتحدث العالم عن تجربة مميزة حيث التغيير والتطور يطال كل شيء، والمواطن والمقيم والزائر يتمتع بسحر التطور وجمال العيش وتجربة القيادة التي تحب شعبها ويحبها، وتحترم المقيم والزائر.
دولة الإمارات كانت قبل خمسين عاماً أو أكثر بقليل، مجرد تجمع بشري بسيط وصفت بأنها «ملتقى الرمال» المتحركة وأصبحت اليوم دولة تنظر بحزم وثقة إلى المستقبل الواعد، ومحل التقاء البحر والحداثة والصحراء، وبوتقة انصهرت فيها ثقافات تعيش معاً في تناغم تام يجسد ثراء التنوع.
كانت الإمارات صحراء قاحلة تسكنها مجموعة من الأسر والقبائل بكل إمارة تعتمد على تجارة الحطب والصيد واستخراج المحار من باطن البحر، وبعد التأسيس، ومضي أكثر من 44 عاماً أصبحت دولة متكاملة جاذبة للسياح وأنظار العالم، وعززت من أدائها، وشهد اقتصادها ازدهاراً كبيراً جعل الدولة ضمن المراتب الأولى في معظم المؤشرات الاقتصادية.
في هذا الصدد، يقول المواطن حميد الرزي من سكان البادية «75 عاماً» كان مجتمع الإمارات من المجتمعات البسيطة قبل اكتشاف النفط والطاقات البديلة، فلجأ أهل الإمارات للأشجار الموجودة حولهم في المنطقة من أجل تدبر أمور معيشتهم في كل ما يحتاجون إليه، مثل إشعال النار وأعمال البناء وفي ركوب البحر وفي الطعام.
ويضيف: «قبل قرن من الآن بدأت الأشجار تتيبس (تموت) في مناطق البادية التي كانت تكثر بها، أما في مناطق الساحل ففي الأساس كانت الأشجار نادرة، وفي ذلك الزمن كان من الصعب نقل الأشجار الجافة والحطب إلى مناطق الساحل، ما أدى إلى ظهور الحاجة الماسة لصناعة السخام (الفحم) والذي يسهل نقله وتخزينه واستخدامه عند الضرورة.
صناعة الفحم
ويوضح أن «صناعة الفحم عرفتها كل مجتمعات العالم، وإلى اليوم ما زالت حاضرة رغم مرور مئات السنين على ظهورها، فالحاجة للفحم رديفة للحاجة للنار التي سيظل الإنسان بحاجة إليهما، ما دامت البشرية، إلّا أن هذا لا يمنع أن يكون لكل مجتمع طريقته في صناعة الفحم، ولكل مجتمع أخشابه التي يرى أنها الأفضل لصناعة الفحم.
ويقول: «يمكن الحديث عن صناعة الفحم كواحدة من المهن في التراث الإماراتي بوصفها مهنة ترتبط بشكل وأسلوب حياة أهل الساحل، والبدوي الذي يعتمد على الفحم بالطهي والتدفئة وكمورد للرزق حيث يباع في مدن الساحل، نظراً لحاجة أهل الساحل إليه، واستعماله في الكثير من الحرف القديمة، كالفخار والحدادة والصياغة وغيرها، فصناعة الفحم كانت واحدة من المهن التي عمل بها الرجل الإماراتي واختار أسلوبه في صناعتها».
ويشير إلى أن صناعة الفحم النباتي تبدأ بجمع أغصان وجذوع الأشجار وتقطيعها إلى أجزاء متقاربة في الحجم، ويفضل النوع نفسه من الشجر، ثم تترك تحت الشمس مدة كافية حتى تيبس «تجف» وتتخلص عروقها من الماء، بعد ذلك تجمع الأخشاب الجافة وتوضع في حفرة، وتشعل بها النار، وتترك حتى يتحول معظم الحطب إلى جمر، عندها تتم عملية ردم الجمر بالرمل، وتترك على ذلك الحال لقرابة يومين أو ثلاثة.
ويضيف الرزي: «بعد هذه العملية تكون العملية الأساسية في صناعة الفحم قد انتهت، حيث يتم بعد ذلك استخراج الفحم من الحفرة وتنظيفه من الرمل والشوائب وتعبئته بأكياس بعد أن يكون قد رتب بأحجام متقاربة، وبدا شديد الصلابة وحينها يصبح جاهزاً للاستخدام، حيث تكون طاقة الفحم أكبر بكثير من طاقة الحطب في الاشتعال».
وينوه إلى أن صناعة الفحم تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن صانع إلى آخر من حيث إشعال الحطب وردمه بالتراب، لكن الفرق في نوع الحطب وفي درجة اشتعاله والمدة التي يترك فيها الفحم تحت التراب.
عوامل تحديد الجودة
ويقول إن هناك الكثير من العوامل التي تحدد جودة الفحم المنتج بواسطة أي طريقة لإنتاجه أهمها نوعية الأخشاب المستخدمة حيث إن لنوع الخشب أهمية كبرى من حيث جودته، وظل المجتمع الإماراتي يفضل الفحم الناتج عن خشب أشجار السمر والغاف.
من جانبه يقول الباحث محمد سعيد الرميثي: «مهنة صناعة الفحم امتهنها ذلك الجيل كمصدر ضروري للطاقة وكمورد مادي خلال القرون الماضية، خاصة عند أهل البادية إلّا أن المهنة انتهت تقريباً في منتصف القرن العشرين مع ظهور النفط في المنطقة.
ويضيف: «عانى ذلك الجيل من قساوة العيش وشظفه حتى ستينات القرن الماضي، ورغم بساطة عيشهم وضعف مواردهم وكثرة معاناتهم بدأ ذلك الجيل يستشرف نهضة اقتصادية واجتماعية. ولعلهم أدركوا جزءاً منها في نهاية ذلك العقد، عندما تولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي المؤسس الكبير الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث لاحت في الأفق بعض الطرق، وشيدت بعض المباني الحكومية، وظهرت بعض السيارات تسير ببطء فوق الطرق الترابية الوعرة».
دولة الفرص
ويشدد الرميثي على أن الإمارات دولة الفرص والتطور والحداثة، لذلك لم يتوان الشيخ زايد، رحمه الله، في البحث عن بديل للفحم ليعوض شعبه سنين الحرمان والعوز ولأنه وجد الفرصة مهيأة وسانحة أمامه فأدرك سريعاً أنه لا يجوز أن يمعن النظر فيما يفعله، من هم حوله، ولا يبدأ هو بفعله.
ويضيف: «ظل المغفور له الشيخ زايد، طوال فترة حكمه يدير الأمور بحكمة وذكاء يشهد له العالم أجمع ولم يؤثر فقط في الحياة الإنسانية، بل صنع تاريخاً إنسانياً فريداً من نوعه».
ويقول: «بدأت دولة الإمارات بقيادة المؤسس الكبير الشيخ زايد رحلة جديدة.. رحلة البحث عن مصدر جديد للطاقة، وبدأت الخطوة الأولى نحو استبدال الفحم بالنفط، وأعلن الشيخ زايد انطلاق رحلة البحث عن النفط، في بحر الرمال المتحركة، وتحت قوع الهيرات التي طالما كان جيل الأجداد والآباء، يمكثون بها 6 أشهر كل عام، بحثاً عن المحار، لعل لؤلؤة ثمينة تقع في أيديهم.
زعيم رائد
ويضيف: «أخذ الشيخ زايد بزمام المبادرة، لأنه كان زعيماً رائداً، ورجل دولة قوياً، يتمتع بالحكمة، وبعد النظر.. كان يتعامل مع الإنسان مباشرة، فقرأ ماضيه واستوعب حاضره واستشرف مستقبله فصنع المعجزات في زمن المتناقضات».
ويستكمل الباحث محمد سعيد الرميثي، حديثه قائلاً: «أيقن العالم أنه أمام مؤسس وقائد استثنائي استطاع قراءة التاريخ وكتابته من جديد، وأوجد بديلاً للفحم بعد أن خفت لهيبه ونصب المنصات التي تعمل ليل نهار فوق الهيرات وحفر الآبار مكان الأشجار اليابسة، ومد الطرق ودك الرمال، وإنشاء المدن».
ويوضح «اليوم العالم يعرف جيداً أن الأمور لا تسير بالفطرة في الإمارات حيث وضعت خطتها منذ بدايات نهضتها الأولى وخلال فترة حكم المؤسس الكبير المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» للاتحاد، ثم استمرت الدولة بالتطور في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين وضع رؤيته للمكانة التي يريدها لتكون فيه الإمارات العام 2021.
ويضيف: «الإمارات تغيرت ملامحها كثيراً عما كانت عليه أيام الفحم وفي سبعينات القرن الماضي.. الإمارات اليوم مختلفة تماماً بفضل سياساتها الناجحة باتجاه الاقتصاد المعرفي والمعلوماتي وهذه النتائج المبهرة التي حققتها لم تأت من فراغ بل جاءت بفضل رؤية قيادتها الواضحة لما تريد أن تكون عليه في المستقبل».
ويؤكد أن تجربة دولة الإمارات فتحت أمام العالم فرصة للتعرف إلى تاريخ وحضارة الدولة منذ عصور ما قبل التاريخ مروراً بحضارات المدن التي مرت عليها في مراحل مختلفة، وصولاً إلى صناعاتها التقليدية وحياة سكانها المعيشية البسيطة التي يمكن حصرها في الرعي، وتربية الإبل والأغنام والماعز وصيد الأسماك واللؤلؤ والتي يمكن استخلاص العبر منها للمساعدة في مواجهة المستقبل بصورة أكثر فاعلية وإصرار على بناء الوطن وتطويره وتقدمه».
الطاقة النظيفة
ويضيف: «كما أدرك الشيخ زايد أن الفحم أيامه انتهت.. تدرك اليوم دولة الإمارات وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن النفط كأحد أهم مصادر الطاقة في طريقه إلى الزوال، بل ويشدد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على أن الإمارات ستحتفل مع آخر شحنة نفط، سيتم تصديرها بعد 50 عاماً».
ويؤكد أنه «لهذا تتبنى قيادة دولة الإمارات استراتيجية وطنية للبحث عن مصادر جديدة للطاقة النظيفة تركز على أن مخرجات التعليم، يجب أن تكون قادرة على خلق كوادر بشرية لخدمة الدولة طوال الخمسين سنة المقبلة».
ويقول: «خصص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أواخر شهر يناير/كانون الثاني الماضي، خلوة وزارية وبمشاركة الحكومات المحلية من أجل تحقيق رؤية القيادة، والخروج ببرنامج وطني شامل لاقتصاد متنوع ومستدام للأجيال المقبلة، عن طريق إيجاد وخلق بدائل أخرى تحل محل النفط».
ويضيف إنه بفضل الله، ثم بفضل قيادتنا الرشيدة تسعى دولة الإمارات اليوم، إلى تنويع مصادر الطاقة بحيث تشمل إلى جانب الموارد الهيدروكربونية التقليدية كلاً من الطاقة النووية والمتجددة، وذلك وفق استراتيجية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتلبية النمو المستمر في الطلب عليها». (وام)
التنمية المستدامة
يشير الرميثي إلى أن «التطبيقات الشمسية في الإمارات ليست بجديدة على الدولة، ونجحت في مشاريع تتعلق بأنظمة المرور ومواقف السيارات وأجهزة ضبط السرعة» الرادار «إلّا أنها توسعت في هذا المجال واتجهت إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة والنظيفة لمواكبة خططها المستقبلية الطموحة في التنمية المستدامة وأسست شركة أبوظبي لطاقة المستقبل» مصدر «وهي شركة مساهمة عامة مملوكة بالكامل إلى شركة» مبادلة «للتنمية وأنجزت الشركة التي أطلقتها حكومة أبوظبي باستثمارات قيمتها 15 مليار دولار أمريكي مع مطلع العام 2008 كثيراً من الخطط والمشاريع الرامية إلى جعل إمارة أبوظبي مركزاً عالمياً لطاقة المستقبل ومقراً إقليمياً لتصدير التكنولوجيا.
وتم تأسيس صندوق مصدر للتقنيات النظيفة في عام 2007 برأس مال 250 مليون دولار أمريكي وهو صندوق استثماري مختص بالطاقة المتجددة والتقنيات المستدامة المتطورة حيث تمكن من استثمار أمواله في عدد من الشركات العالمية التي تعمل في مجالات الطاقة المتجددة، وتعمل مصدر على تطوير محفظة كبيرة من المشاريع المتوافقة مع آلية التنمية النظيفة، وعلى تطوير مشاريع بنية تحتية مستدامة.
ويوضح أن مصدر حققت تطوراً نوعياً كبيراً على صعيد تقنيات الطاقة الشمسية في استدراج عروض لبناء وتملك وتشغيل مصنع للطاقة الشمسية المركزة «محطة شمس1» بطاقة 100 ميجاواط في مدينة زايد جنوب إمارة أبوظبي، وبدأ تشغيل المحطة في 17 مارس 2013 وهي تتألف من 258,048 مرآة على مساحة 2.5 كيلومتر مربع بقدرة إنتاجية تبلغ 100 ميجاواط.
السخانات الشمسية
يؤكد الرميثي: «في دبي سجل عام 2011 علامة فارقة في مجال الطاقة الشمسية، إذ أعلنت بلدية دبي عزمها تطبيق مشروع تقنية «السخانات الشمسية» لتوفير المياه الساخنة في الفلل السكنية ومساكن العمال والشقق الفندقية والمباني التعليمية، والذي يتوقع أن يوفر 95 مليون درهم سنوياً في حال تطبيقه على نصف بنايات الإمارة، كما أصدرت تعميماً خاصاً باستخدام نظام السخانات الشمسية.
ويقول: «دبي أعلنت عن الانتهاء من رسم خريطة طريق لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في مشروع وطني يكلف 12 مليار درهم».
ويضيف محمد سعيد الرميثي «أطلقت دولة الإمارات عام 2008 برنامجها النووي للأغراض السلمية بعد أن وافق مجلس الوزراء عليه، وأنشأت هيئة للطاقة النووية باسم «مؤسسة الإمارات للطاقة النووية» كي تتولى مهمة تقييم وتطوير البرنامج برأسمال 375 مليون درهم».
ويشير إلى أنه من هذا المنطلق بادرت دولة الإمارات عام 2012 لبناء محطة براكة للطاقة النووية ومن المقرر إنشاء 4 محطات نووية بقدرة إنتاجية تبلغ نحو 5600 ميجاواط، وستوفر هذه المحطات بعد انتهائها ما يصل إلى ربع احتياجات الدولة من الكهرباء الصديقة للبيئة، مع العلم أن المحطات ستحد من الانبعاثات الكربونية في الدولة بواقع 12 مليون طن سنوياً.
وتسير عمليات الإنشاء في محطة براكة للطاقة النووية على نحو آمن وثابت، وقد وصلت نسبة إتمام المحطة الأولى إلى أكثر من 87 بالمئة، والمحطة الثانية إلى 68 بالمئة، والمحطة الثالثة إلى 47 بالمئة والمحطة الرابعة إلى 29 بالمئة، ووصلت النسبة الكلية لإنجاز المشروع إلى 62 بالمئة.